من هو الله ..؟ 1- بين المتفق عليه ومنهج الاشاعرة مع نبذ الخلاف والتعصب ..

من هو الله؟ كما عرفه أهل السنة والجماعة… ثم كيف شرح الأشاعرة صفاته؟
ليس في حياة الإنسان معرفة أشرف ولا أعظم من معرفة ربه سبحانه وتعالى.
فكل علم يمكن أن يخطئ صاحبه أو يستغني عنه، إلا العلم بالله؛ فهو أصل الإيمان، ومنبع الطمأنينة، وسر العبودية.
ولهذا كان أول ما دعا إليه الأنبياء جميعًا هو التعريف بالله، قبل الحديث عن الأحكام والتكاليف، لأن القلب إذا عرف ربه أحبه، وإذا أحبه أطاعه، وإذا أطاعه وجد السعادة التي لا يملكها مال ولا سلطان.
قال تعالى:
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾.
فبدأ سبحانه بالعلم، لأن العبادة لا تستقيم إلا إذا قامت على معرفة صحيحة بالله عز وجل.
ما الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة؟
على اختلاف مدارس أهل السنة في بعض مسائل العقيدة، فإنهم يجتمعون على أصول عظيمة لا خلاف فيها، وهي أساس الإيمان بالله تعالى.
فيؤمنون جميعًا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وحده، لا شريك له، ولا ند له، ولا مثيل، ولا شبيه له .
ويؤمنون بأنه الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
ويؤمنون بأنه سبحانه عليم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، وقدير على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سميع لكل الأصوات، بصير بكل الموجودات، متكلم بما شاء وكيف شاء على الوجه اللائق بجلاله.
ويؤمنون كذلك بأن الله منزه عن كل نقص، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه المستحق وحده لجميع أنواع العبادة، فلا يدعى غيره، ولا يستغاث استقلالًا إلا به، ولا يتوكل التوكل المطلق إلا عليه.
فهذه الأصول هي محل اتفاق بين مدارس أهل السنة، وإن اختلفوا بعد ذلك في بعض طرق فهم عدد من النصوص المتعلقة بالصفات الإلهية.
لماذا ظهرت مدارس في شرح العقيدة؟
بعد اتساع الدولة الإسلامية ودخول أمم كثيرة في الإسلام، ظهرت أسئلة فلسفية وعقلية لم تكن معروفة في عصر الصحابة رضي الله عنهم، فتصدى العلماء للرد على تلك الشبهات، وظهرت مدارس علمية متعددة داخل إطار أهل السنة، لكل منها منهج في عرض العقيدة والدفاع عنها.
ومن أشهر هذه المدارس: المدرسة الأشعرية، والمدرسة الماتريدية، والمدرسة الأثرية، وكلها تنتسب إلى أهل السنة، مع وجود خلافات في بعض المسائل المتعلقة بصفات الله وكيفية فهم نصوصها.
كيف يعرّف الأشاعرة الله سبحانه وتعالى؟
يرى الأشاعرة أن الله سبحانه هو:
الواجب الوجود، القديم بلا ابتداء، الباقي بلا انتهاء، المخالف للحوادث، القائم بنفسه، الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، المستحق وحده للعبادة.
ويقصدون بذلك أن وجود الله ليس كوجود المخلوقات، وأنه سبحانه غني عن كل شيء، ولا يحتاج إلى زمان أو مكان، ولا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه.
الصفات التي يثبتها الأشاعرة
اشتهر عند علماء الأشاعرة تدريس ما يسمى بالصفات العشرين، وهي ليست صفات مستقلة كلها، وإنما بعضها صفات أصلية وبعضها تأكيد لمعانيها.
ومن أهم هذه الصفات:
الوجود.
القدم.
البقاء.
مخالفة الحوادث.
القيام بالنفس.
الوحدانية.
القدرة.
الإرادة.
العلم.
الحياة.
السمع.
البصر.
الكلام.
ثم يذكرون الصفات المعنوية، وهي: كونه قادرًا، ومريدًا، وعالمًا، وحيًا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلمًا.
ويرون أن هذه الصفات ثابتة لله على وجه الكمال، لا تشبه صفات المخلوقين.
موقف الأشاعرة من الصفات الخبرية
ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية ذكر صفات مثل الوجه، واليدين، والعين، والاستواء على العرش، والنزول.
ويؤمن الأشاعرة بثبوت هذه النصوص، لكنهم يؤكدون أن الله منزه عن مشابهة خلقه، ولذلك سلك جمهورهم أحد منهجين:
الأول: التفويض، وهو الإيمان بالنصوص مع تفويض حقيقة الكيفية إلى الله تعالى، دون تشبيه أو تمثيل.
والثاني: التأويل عند الحاجة، إذا خشي من حمل اللفظ على معنى يوهم التشبيه، فيفسرونه بمعنى يوافق اللغة العربية ويحقق التنزيه.
وقد كان مقصدهم في ذلك المحافظة على قوله تعالى:
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
أين يقع الخلاف بين المدارس؟
الخلاف بين الأشاعرة وغيرهم من مدارس أهل السنة لا يتعلق بالإيمان بالله أو توحيده، وإنما يدور غالبًا حول الطريقة التي تُفهم بها بعض نصوص الصفات.
فالجميع يثبت لله صفات الكمال، وينزهه عن النقص، ويؤمن بأنه سبحانه لا يشبه خلقه، وإنما يختلفون في المنهج العلمي للتعامل مع بعض الألفاظ الواردة في النصوص.
ولهذا كان كثير من علماء الأمة يحثون على عدم تحويل هذه المسائل إلى سبب للتباغض أو التفسيق، لأن المقصود الأعظم هو تعظيم الله، وتحقيق التوحيد، واتباع كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
المعرفة التي تبني الإيمان
إن الغاية من دراسة أسماء الله وصفاته ليست كثرة المصطلحات، وإنما امتلاء القلب بمعرفة ربه.
فإذا علمت أن الله هو الرحيم، ازداد رجاؤك.
وإذا علمت أنه الحكيم، رضيت بقضائه.
وإذا علمت أنه السميع، أقبلت عليه بالدعاء.
وإذا علمت أنه البصير، استحييت أن يراك على معصية.
وهكذا تتحول العقيدة من معلومات تحفظ، إلى حياة يعيشها المؤمن، ويستمد منها قوته، وصبره، ويقينه، وسكينته.
خاتمة
إن أعظم ما يملأ القلب نورًا هو معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما جاءت في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع تعظيمه وتنزيهه عن كل نقص، واحترام جهود علماء الأمة في بيان العقيدة والدفاع عنها.
فإذا عرف العبد ربه حق المعرفة، سهلت عليه الطاعة، وهانت عليه الدنيا، وأصبح قلبه متعلقًا بالله وحده، يرجوه، ويخشاه، ويستعين به في كل أمر، حتى يلقاه وهو راضٍ عنه.

فكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد قربًا منه، وامتلأ قلبه سكينة، واستقام عمله، وصغرت الدنيا في عينه.
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا معرفةً تورث المحبة، ومحبةً تورث الطاعة، وطاعةً تبلغنا رضوانه، وأن يجعل قلوبنا معلقةً به وحده، إنه ولي ذلك والقادر عليه.🤲

اترك تعليقاً