حين تستيقظ الفطرة… لماذا لا ينبغي أن نيأس من أحد؟
كم من إنسان رأيناه بعيدًا عن الله، ثم لم تمضِ سنوات حتى صار من أهل المساجد، أو من حملة القرآن، أو من الدعاة إلى الخير؟
وكم من شخص ظن الناس أن قلبه قد مات، فإذا به يبكي من خشية الله عند سماع آية، أو يرفع يديه في جوف الليل منكسراً بين يدي ربه؟
هذه المشاهد ليست غريبة، بل تتكرر في كل زمان، لأنها توافق حقيقة عظيمة أخبرنا الله بها، وهي أن الإيمان موافق للفطرة، وأن النفس البشرية مفطورة على معرفة ربها ومحبته، وإن غطت هذه الفطرة غشاوة الشهوات والشبهات.
فالإنسان قد يبتعد، وقد يضل، وقد يعاند، لكنه في أعماقه يحمل بقايا من ذلك النور الذي أودعه الله في قلبه يوم خلقه. وربما تراكمت فوق هذا النور طبقات من الغفلة والمعاصي، حتى كأنها حجبت القلب كله، لكنها لا تستطيع أن تلغي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ولهذا لا ينبغي للداعية أن يحكم على الناس من ظاهرهم، ولا أن يظن أن باب الهداية قد أُغلق في وجه أحد.
إننا لا ندعو القلوب، وإنما ندعو رب القلوب أن يفتحها.
إن أكثر الناس لا يرفضون الحق لأنه حق، وإنما تمنعهم عنه حواجز كثيرة.
قد يمنعهم الكبر.
وقد تمنعهم الشهوة.
وقد تمنعهم البيئة.
وقد تمنعهم صورة سيئة رأوها ممن ينتسبون إلى الدين.
وقد تمنعهم الشبهات التي تكررت على أسماعهم حتى ظنوها حقائق.
فإذا زالت هذه الحواجز، وإذا انكشفت الغشاوة عن البصر والبصيرة، عاد القلب يبحث عن خالقه كما يبحث الظمآن عن الماء.
ولذلك قال الله تعالى:
﴿يَهْدِي اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
ولم يقل سبحانه إن الناس يخلقون الهداية لأنفسهم، بل القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ولهذا كان أعظم سلاح للداعية بعد البيان هو الدعاء.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة أنهم يستعجلون الثمرة.
يدعو أحدهم إنسانًا مرة أو مرتين، فإن لم يستجب قال: هذا لا خير فيه.
وهذا خلاف هدي الأنبياء.
فكم لبث نوح عليه السلام يدعو قومه؟
وكم صبر نبينا ﷺ على أذى قومه؟
بل إن كثيرًا ممن حاربوا الإسلام في بدايته صاروا بعد ذلك من أعظم رجاله.
ولو أن المسلمين يئسوا منهم منذ البداية، لما رأينا تلك النماذج العظيمة التي غيّرت مجرى التاريخ.
ولهذا فالداعية الحقيقي لا ينظر إلى حال الإنسان اليوم، وإنما ينظر إلى ما يمكن أن يصبح عليه غدًا إذا فتح الله قلبه.
لكن هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا تغيب عنا.
وهي أن الحق، وإن كان غالبًا في ذاته، فإن انتشاره في الأرض يحتاج إلى رجال.
فالحق لا ينتشر بالتمني.
ولا يسود بمجرد الأمنيات.
ولا تُبنى الحضارات بكلمات تُقال ثم تُنسى.
إنما يحتاج إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
رجال أقوياء في إيمانهم.
أقوياء في علمهم.
أقوياء في أخلاقهم.
أقوياء في صبرهم.
وأقوياء في عملهم.
إن الضعف الذي يذمّه الإسلام ليس ضعف الجسد، وإنما ضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الأخذ بالأسباب.
أما المؤمن الحق، فإنه يجمع بين حسن التوكل على الله، وبين بذل كل ما يستطيع من الأسباب.
إن دعوة الحق لا تحتاج إلى صخب بقدر ما تحتاج إلى صدق.
ولا تحتاج إلى كثرة الأتباع بقدر ما تحتاج إلى رجال صادقين.
فكم من فكرة عظيمة بدأت بفرد واحد، ثم ملأت الدنيا.
وكم من دعوة امتلكت المال والإعلام والجماهير، لكنها سقطت لأنها فقدت الصدق.
إن الله لا ينصر الكثرة لذاتها، وإنما ينصر من ينصر دينه.
ولهذا فإن أول معركة ينبغي أن يخوضها الداعية هي مع نفسه.
أن يهزم الكسل.
ويهزم اليأس.
ويهزم حب الظهور.
ويهزم العجب.
فإذا انتصر على نفسه، كان أقدر على أن يهدي الله به غيره.
ولا تيأس إذا رأيت الناس معرضين.
فرب كلمة قلتها اليوم تنبت في قلب صاحبها بعد سنوات.
ورب منشور تقرؤه عين عابرة، ثم يصبح سببًا في توبة لا يعلمها إلا الله.
ورب دعاء دعوت به في جوف الليل كان مفتاحًا لهداية إنسان لم تره في حياتك.
إن الداعية يزرع، والله هو الذي ينبت الزرع.
ويبلغ، والله هو الذي يفتح القلوب.
ويهدي، والله وحده هو الهادي.
فلنحسن البلاغ، ولنصدق مع الله، ولنوقن أن كل قلب مهما اشتدت عليه ظلمات الضلالة، فإنه إذا شاء الله أن تشرق فيه شمس الهداية فلن تستطيع قوة في الأرض أن تمنعها.
نسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن يحيي قلوبنا بنور الإيمان، ويشرح صدورنا للهدى، ويجعلنا من الذين يهدي بهم ولا يضلون، إنه الهادي، والنور، والفتاح، واللطيف.



