من هو الله؟ كما عرفه أهل السنة والجماعة… ثم كيف شرح الماتريدية صفاته؟
إن أول معرفة ينبغي أن يطلبها الإنسان في حياته ليست معرفة الدنيا، ولا معرفة الناس، ولا حتى معرفة نفسه، وإنما معرفة ربه سبحانه وتعالى.
فمن عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه، ومن أطاعه ذاق حلاوة الإيمان التي لا تعادلها لذة في هذه الحياة.
ولذلك كان القرآن الكريم يوجه القلوب قبل العقول إلى التأمل في أسماء الله وصفاته، لأن العقيدة في الإسلام ليست فلسفة مجردة، وإنما هي حياة تنبض باليقين، وعبودية تثمر المحبة والخشية والرجاء.
قال الله تعالى:
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾.
فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء ربه وصفاته، ازداد قربًا منه، واستقامت عبادته، واطمأن قلبه.
ما الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة؟
يجتمع أهل السنة والجماعة، على اختلاف مدارسهم العقدية، على أصول الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
فيؤمنون جميعًا بأن الله واحد لا شريك له، خالق السماوات والأرض، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، الحي القيوم، العليم، القدير، السميع، البصير، المتكلم، الذي ليس كمثله شيء، وهو المستحق وحده لجميع أنواع العبادة.
كما يؤمنون بأن الله سبحانه منزه عن كل نقص، موصوف بكل كمال يليق بجلاله، وأن أسماءه الحسنى وصفاته العلى توقيفية، تثبت بما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
وهذه الأصول هي العقيدة الجامعة التي لا يختلف عليها أهل السنة.
من هم الماتريدية؟
الماتريدية مدرسة عقدية تُنسب إلى الإمام أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي رحمه الله، الذي عاش في سمرقند في القرن الرابع الهجري.
وقد انتشر مذهبه في بلاد ما وراء النهر، ثم في كثير من بلاد المسلمين، خاصة بين علماء الحنفية، وأصبح مع المدرسة الأشعرية من أشهر المدارس الكلامية المنتسبة إلى أهل السنة والجماعة.
وكان هدف الإمام الماتريدي الدفاع عن عقيدة الإسلام، والرد على الفرق التي أنكرت صفات الله أو غلت في استعمال العقل، مع المحافظة على أصول التوحيد وتنزيه الله سبحانه وتعالى.
كيف يعرّف الماتريدية الله تعالى؟
يقرر الماتريدية أن الله سبحانه هو:
الواجب الوجود، القديم بلا ابتداء، الباقي بلا انتهاء، المنزه عن مشابهة المخلوقات، الغني عن كل شيء، الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، المستحق وحده للعبادة.
فوجوده سبحانه ليس كوجود خلقه، ولا يشبه شيئًا من مخلوقاته، ولا يحتاج إلى مكان أو زمان، لأن المكان والزمان من خلقه، والخالق لا يكون محتاجًا إلى مخلوق.
الصفات التي يثبتها الماتريدية
يثبت الماتريدية لله صفات الكمال الثابتة في الكتاب والسنة، ويذكرون منها الصفات المشهورة:
الوجود.
القدم.
البقاء.
الوحدانية.
مخالفة الحوادث.
القيام بالنفس.
الحياة.
العلم.
القدرة.
الإرادة.
السمع.
البصر.
الكلام.
ويؤكدون أن هذه الصفات قائمة بالله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يجوز تشبيهها أو تكييفها.
ما الذي يميز منهج الماتريدية؟
يشترك الماتريدية مع الأشاعرة في أكثر مسائل العقيدة، حتى إن كثيرًا من العلماء يذكرون المدرستين معًا عند الحديث عن عقيدة جمهور أهل السنة.
إلا أن بينهم بعض الفروق العلمية في مسائل محددة، مثل بعض مباحث الصفات، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، وبعض القضايا المتعلقة بالإيمان والتكليف.
وهذه الفروق معروفة عند المتخصصين، لكنها لا تمس الأصول الكبرى التي يجتمعون عليها.
موقفهم من الصفات الخبرية
يؤمن الماتريدية بكل ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من صفات الله تعالى.
وعند ورود الصفات الخبرية، مثل الوجه، واليدين، والاستواء، والنزول، فإنهم يحرصون على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، ولذلك يميل كثير من علمائهم إلى التفويض، وقد يلجأ بعضهم إلى التأويل فيما يرونه أدعى لدفع توهم التشبيه، مع التأكيد على أن الله سبحانه ليس كمثله شيء.
ماذا ينبغي أن يستفيد المسلم من هذه الدراسة؟
ليس المقصود من دراسة المدارس العقدية أن ينشغل المسلم بالخصومات، أو يجعل مسائل الخلاف سببًا للتباغض، وإنما المقصود أن يعرف كيف اجتهد علماء الأمة في فهم نصوص الوحي والدفاع عن العقيدة.
فقد بذل هؤلاء الأئمة أعمارهم في خدمة الإسلام، وكان قصدهم نصرة التوحيد، وإن اختلفت مناهجهم في بعض المسائل.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يقرأ بعلم، وأن يحترم العلماء، وأن يعلم أن اجتماع القلوب على الإيمان بالله وطاعته أعظم من الانتصار للأسماء والمذاهب.
المعرفة التي تثمر اليقين
حين يعلم المؤمن أن الله هو الحي الذي لا يموت، اطمأن قلبه إلى ربه.
وحين يعلم أنه العليم، استحيا أن يضمر في قلبه ما لا يرضيه.
وحين يعلم أنه القدير، لم ييأس من رحمته مهما اشتدت الكروب.
وهكذا تتحول دراسة العقيدة من كلمات تقرأ، إلى نور يسكن القلب، وإيمان يظهر في العمل، وثقة بالله في كل لحظة من لحظات الحياة.
خاتمة
إن مدرسة الماتريدية تمثل إحدى المدارس العقدية الكبرى في تاريخ أهل السنة، وقد أسهم علماؤها في بيان عقيدة التوحيد والدفاع عنها، مع الحرص على تنزيه الله سبحانه وتعالى وإثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال.
ويبقى الأصل الجامع الذي يلتقي عليه المسلمون جميعًا، أن الله سبحانه واحد لا شريك له، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وأن أعظم طريق لمعرفة الله هو تدبر كتابه، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعمل بما يثمره ذلك من محبة وخشية ورجاء.
نسأل الله تعالى أن يزيدنا معرفة به، وأن يجعل العلم سببًا لجمع القلوب على الحق، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



