شهر الله المحرّم وعاشوراء.. موسم جديد للقرب من الله تعالى .


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما أسرع الأيام وهي تطوي أعمارنا طيًّا، وما أعظم فضل الله على عباده حين يفتح لهم أبواب المواسم المباركة مرة بعد مرة، ليتدارك المقصّر تقصيره، ويزيد المحسن إحسانه، ويجد السائر إلى الله محطات يتزوّد منها بالإيمان والنور.
ومن أعظم هذه المواسم المباركة التي يغفل عنها كثير من الناس: شهر الله المحرّم، أول شهور السنة الهجرية، وأحد الأشهر الحرم التي عظّمها الله تعالى وخصّها بمزيد من الفضل والحرمة.
فإذا أقبل المحرّم، فاعلم أن الله يدعوك إلى بداية جديدة، وصفحة بيضاء، وتجديد للعهد معه سبحانه، وأن تجعل من هذا الشهر المبارك نقطة انطلاق نحو حياة أقرب إلى الله وأبعد عن الغفلة والمعصية.
وهو أحد الأشهر الأربعة الحرم التي قال الله تعالى فيها:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
فالأعمال الصالحة في هذه الأشهر أعظم أجرًا، والمعاصي فيها أشد خطرًا وأعظم تبعة.
المحرّم فرصة لبداية روحية جديدة
كثير من الناس يجعلون بداية العام الميلادي فرصة لوضع الخطط والأهداف، أما المؤمن فإن بدايته الحقيقية هي ما قرّبه من الله تعالى.
فلماذا لا يكون المحرّم بداية:
للمحافظة على الصلوات في أوقاتها؟
لورد يومي من القرآن؟
للإكثار من الذكر والاستغفار؟
لترك ذنب طال أمده؟
لصلة رحم انقطعت؟
أو لردّ مظلمة وتأدية حق؟
إن الله تعالى لا ينظر إلى كثرة البدايات، وإنما ينظر إلى صدق العبد في السير إليه.
فضل الصيام في شهر المحرّم

ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم”.

وتأمل كيف أضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى فقال: شهر الله المحرم، وهذه إضافة تشريف وتعظيم، تدل على مكانة هذا الشهر وفضله.


ولهذا فإن من أعظم الأعمال المستحبة في هذا الشهر المبارك الصيام.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان هو صيام شهر الله المحرّم.
وليس المقصود أن يصوم المسلم الشهر كله، وإنما يكثر من الصيام فيه بحسب استطاعته، وخاصة الأيام الفاضلة.
فالصيام يطهّر القلب، ويكسر الشهوات، ويزيد العبد قربًا من ربه، ويورثه نورًا في البصيرة وانشراحًا في الصدر.

أعمال صالحة أخرى يُستحب الإكثار منها في المحرّم
لا يقتصر فضل الشهر على الصيام فقط، بل هو موسم عام للطاعات والقربات، ومن ذلك:
1-التوبة الصادقة
وهي أعظم ما يستقبل به العبد عامًا جديدًا من عمره.
2- كثرة الاستغفار
فالاستغفار يمحو الذنوب، ويفتح أبواب الرزق والبركة والتوفيق.
3- الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
فهي من أعظم أسباب الرحمة ونزول البركات وتفريج الكربات.
4- قراءة القرآن
اجعل لنفسك وردًا ثابتًا لا تتركه مهما كانت الظروف.
5- الصدقة
فالصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع البلاء، وتجلب البركة.
6- الذكر
خاصة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار.

يوم عاشوراء.. يوم من أيام الله
ومن أعظم أيام هذا الشهر المبارك: يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرّم.
وقد كان يومًا عظيمًا نجّى الله فيه نبيّه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ووجد اليهود يصومونه شكرًا لله على هذه النعمة، قال:
“نحن أحق بموسى منكم”.
فصامه وأمر بصيامه.
ثم بيّن صلى الله عليه وسلم فضل هذا اليوم العظيم فقال:
“أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله”.
يا لها من منحة عظيمة!
يوم واحد من الصيام يكون سببًا في تكفير ذنوب سنة كاملة من الصغائر بإذن الله تعالى.
كيف نصوم عاشوراء؟
أكمل المراتب أن يصوم المسلم:
التاسع والعاشر.
أو العاشر والحادي عشر.
ويجوز أن يفرد العاشر بالصيام عند كثير من أهل العلم إذا تعذر غيره.
والمقصود أن يحرص المسلم على اغتنام هذا اليوم المبارك وعدم تفويته.


لا تجعل عاشوراء يمر كأي يوم
تمر على الناس أيام كثيرة، لكن القليل منهم من يعرف قيمة الأيام المباركة.
قد يكون يوم عاشوراء سببًا في مغفرة ذنب، أو رفع بلاء، أو فتح باب رزق، أو بداية هداية، أو استجابة دعوة طال انتظارها.

فلا تحرم نفسك من فضل الله بسبب غفلة ساعة أو انشغال عابر.
استقبل هذا اليوم بقلب حاضر، ونية صادقة، ودعاء كثير، واستغفار متواصل، ورجاء عظيم فيما عند الله.
خاتمة
إن شهر الله المحرّم ليس مجرد بداية لسنة هجرية جديدة، بل هو رسالة ربانية متجددة لكل عبد يريد أن يعود إلى الله، ويجدد العهد معه، ويبدأ رحلة جديدة من الطاعة والقرب والأنس بالله تعالى.
فاغتنم أيامه ولياليه، وأكثر فيه من الصالحات، ولا سيما صيام عاشوراء، فإن مواسم الخير تمر سريعًا، والسعيد من عرف قدرها قبل فواتها.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الشهر المبارك فاتحة خير وبركة علينا وعلى المسلمين، وأن يرزقنا فيه صدق التوبة، وحسن الإنابة، ودوام الذكر، والإخلاص في القول والعمل.
اللهم يا تواب يا رحيم يا كريم، تب علينا توبة نصوحًا، واغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، وبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا، واجعل شهر الله المحرّم بداية خير ونور وقرب منك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، يا فتاح يا هادي يا نور السماوات والأرض. :::
هذا المقال مناسب للمدونة، والخطوة التالية في منهجك المعتاد هي ، مع دعوة القارئ من المدونة للانتقال إليه.

اترك تعليقاً