في زمنٍ ارتفعت فيه الأصوات، وكثرت فيه الشعارات، وصار كثير من الناس يقيسون نصرة الإسلام بقدر الضجيج، أو كثرة المواجهات، أو حدة الخطاب، غاب عن بعضهم أن أعظم ما حفظ الله به هذا الدين عبر القرون لم يكن السيف وحده، ولا الحماسة المجردة، وإنما كان العلم.
ولهذا فإن من ظن أن الجالسين في حلق العلم، والمنشغلين بتعليم القرآن، والحديث، والفقه، والعقيدة، وأصول الدين، لا ينصرون الإسلام، فقد أخطأ في فهم حقيقة هذا الدين، وجهل الطريق الذي حفظ الله به شريعته منذ بعثة النبي ﷺ إلى يوم الناس هذا.
أولًا: العلم هو أساس بقاء الدين
قال الله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].
فبدأ سبحانه بالعلم قبل القول والعمل، لأن العمل لا يستقيم إلا بعلم، والدعوة لا تصح إلا بعلم، والعبادة لا تقبل إلا بعلم.
وقال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ولو كان أعظم ما تحتاجه الأمة هو مجرد الحماس دون العلم، لما خص الله أهل العلم بهذه المنزلة الرفيعة.
ثانيًا: العلماء هم ورثة الأنبياء
قال رسول الله ﷺ:
«إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.»
فالأنبياء لم يورثوا الجيوش، ولا الأموال، وإنما أورثوا العلم؛ لأنه الأصل الذي يقوم عليه كل إصلاح بعد ذلك.
ومن هنا كانت مهمة العلماء أعظم من مجرد إلقاء الدروس، فهم يحفظون عقائد الناس من الانحراف، ويبينون الحلال والحرام، ويفصلون بين الحق والباطل، ويحمون الأمة من البدع والغلو والانحلال.
ثالثًا: الأمة لا يهدمها السلاح قبل أن يهدمها الجهل
كم من أمة كانت تملك القوة العسكرية ثم سقطت بسبب فساد أفكارها.
وكم من أمة ضعيفة حفظها الله بالعلم حتى عادت إليها قوتها.
فالجهل هو الباب الأكبر الذي يدخل منه الشيطان إلى المجتمعات.
ومن أجل ذلك كان أول ما نزل من القرآن:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
ولم يكن أول الأمر بالقتال، ولا بالسياسة، ولا بغير ذلك، وإنما بدأ الوحي ببناء العقل والقلب معًا.
رابعًا: الخطب الحماسية لا تكفي
لا شك أن للكلمة المؤثرة أثرًا عظيمًا إذا كانت منضبطة بالعلم، ولكن المشكلة حين تتحول الدعوة إلى مجرد إثارة للعواطف.
فكم من خطيب أبكى الناس ساعة، ثم لم يزدهم علمًا.
وكم من عالم جلس يشرح حديثًا أو آية، فخرج من مجلسه علماء، وقضاة، ودعاة، ومصلحون حملوا الدين إلى الآفاق.
إن الصراخ لا يؤسس حضارة.
والانفعال وحده لا يبني أمة.
والبكاء على واقع المسلمين لا يغير الواقع إذا لم يتحول إلى علم صحيح، وعمل منظم، وتربية مستمرة.
خامسًا: كل إصلاح حقيقي يبدأ من حلق العلم
تأمل تاريخ الأمة.
الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنووي، وابن حجر، وغيرهم من الأئمة، هل كانوا يقودون الجيوش؟
ومع ذلك، فإن أثرهم في نصرة الإسلام ما زال حيًا بعد مئات السنين.
ولو فقدت الأمة كتبهم، وفقههم، وحديثهم، وتفسيرهم، لفسد على الناس دينهم.
إنهم حفظوا الشريعة، فكانوا من أعظم من نصر الإسلام.
سادسًا: طالب العلم شريك في حفظ الدين
ليس المقصود بأهل العلم كبار العلماء فقط.
بل كل من أخلص في تعلم دين الله، ثم عمل به، ثم علمه للناس، فهو داخل في هذا الشرف بقدر ما يحمل من العلم.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«خيركم من تعلم القرآن وعلمه.»
فالتعليم عبادة، وحفظ العلم جهاد، ونشر السنة نصرة للإسلام.
سابعًا: لا تعارض بين العلم والعمل
ليس المقصود تعظيم العلم مع ترك ميادين الإصلاح الأخرى.
بل المقصود أن كل إصلاح لا يقوم على العلم ينقلب ضرره أكثر من نفعه.
فالعلم هو الذي يوجه الدعوة.
وهو الذي يضبط الجهاد.
وهو الذي يصحح العبادة.
وهو الذي يحفظ الأخلاق.
وهو الذي يقيم العدل.
ولهذا كان السلف يقولون: العلم إمام، والعمل تابعه.
خاتمة
إن أعظم ما يحتاجه المسلمون اليوم ليس كثرة الأصوات، وإنما كثرة العلماء الربانيين، وطلاب العلم الصادقين، وحلق القرآن، ومجالس الحديث، ومدارس الفقه، ومجالس التربية والإيمان.
فهذه هي المصانع التي تُخرِّج الرجال، وتصنع القادة، وتحفظ العقيدة، وتنقل الدين من جيل إلى جيل.
أما الحماسة المجردة، فإنها قد تشتعل سريعًا، ثم تنطفئ سريعًا، بينما يبقى العلم نورًا يهدي الله به الأمم قرونًا طويلة.
وقد صدق الشاعر إذ قال:
العلمُ يبني بيوتًا لا عمادَ لها
والجهلُ يهدم بيتَ العزِّ والشرفِ
🤲 فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وفقهًا في دينك، وإخلاصًا في طلب العلم وتعليمه، واجعلنا من الذين يحيون شريعتك بالحكمة والبصيرة، يا العليم، يا الحكيم، يا الهادي.
فعلا نحن بحاجة لمجالس العلم والتعمق في العلم
اللهم اعنكم واعنا علي ذلك ويعطيكم الصحة والعافية
🤲🤲🤲
اللهم علمنا ما لم نعلم وانفعنا بما علمتنا وارزقنا الإخلاص وحسن العمل به وفقهنا في دينك وعلوم دينك وافتح لنا أبواب العلم والفهم والحفظ ياقادر علي كل شئ
اللهم آمين 🤲🤍🤲