خديعة الشيطان الأولى: سوء الفهم …

حين لا يفهم الإنسان حقيقة البلاء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هناك خديعة لا يبدأ بها الشيطان مع الإنسان من باب المعصية…

ولا يقول له منذ البداية: اترك الصلاة، أو اترك الطريق، أو اكفر بما تؤمن به.

بل قد يأتيه من بابٍ أدقّ، وأخفى، وأشد خطرًا:

أن يجعله يسيء فهم ما يحدث له.

وهنا تبدأ الحكاية…

فالإنسان قد يكون في طاعة، وقد يكون يدعو الله، وقد يكون حريصًا على الخير، ثم ينزل به بلاء لم يكن يتوقعه.

مرض…

فقد…

ضيق…

تأخر أمر…

انغلاق باب…

خذلان من قريب…

تعطل مسعى…

أو طريق ظن أنه سيفتح، فإذا به يُغلق أمامه.

فيتألم.

وهذا طبيعي.

ويحزن.

وهذا من طبيعة البشر.

لكن المشكلة ليست دائمًا في الألم…

المشكلة في المعنى الذي يصنعه الإنسان من ألمه.

وهنا يدخل الشيطان.

لا ليصنع البلاء، ولا ليملك أمر القدر، ولكن ليحاول أن يستغل لحظة الضعف، فيلقي في النفس تفسيرًا فاسدًا لما يجري.

فيقول له:

لماذا يحدث لك هذا؟

أنت دعوت…

أنت اجتهدت…

أنت فعلت ما عليك…

فلماذا لم يتغير شيء؟

ثم يترك السؤال يعمل وحده.

فإذا لم ينتبه الإنسان، انتقل السؤال من:

«متى يأتي الفرج؟»

إلى:

«لماذا أنا؟»

ثم من:

«لماذا أنا؟»

إلى:

«لعل الله لا يريد لي الخير…»

وهنا تبدأ الخديعة.


ليس كل ما يؤلمك شرًّا

من أخطر الأخطاء أن يظن الإنسان أن الخير لا يأتيه إلا في الصورة التي يحبها.

فإذا أُعطي قال: هذه نعمة.

وإذا مُنع قال: هذه مصيبة.

وإذا فُتح له باب فرح.

وإذا أُغلق عنه باب حزن.

وكأن العبد يعلم الغيب، ويعرف ما وراء الأبواب، ويدرك عواقب الأشياء.

لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

وهنا يقف العقل أمام حقيقة عظيمة:

أنت لا تعلم.

قد تعرف ما حدث، لكنك لا تعرف كل ما وراءه.

قد ترى الباب وهو يُغلق، لكنك لا ترى ما وراء الباب.

قد ترى التأخير، ولا ترى الحكمة التي قد تظهر بعد حين.

قد ترى الألم، ولا ترى ما يصنعه الصبر في نفسك.

ولهذا لا يجوز للعبد أن يجزم بسبب بلاء بعينه أو يدّعي معرفة الحكمة الإلهية الخفية منه دون دليل.

لكن عليه أن يعرف شيئًا أعظم:

أن جهله بالحكمة لا يعني غياب الحكمة.


وهنا يضحك الشيطان على الإنسان

قد لا يستطيع الشيطان أن يمنعك من الإيمان…

فيحاول أن يفسد عليك فهمك للإيمان.

وقد لا يستطيع أن يمنعك من الدعاء…

فيحاول أن يجعلك تدعو وقلبك ممتلئ باليأس.

وقد لا يستطيع أن يمنعك من الصبر…

فيحاول أن يجعلك صابرًا بجسدك، ساخطًا بقلبك.

وقد لا يستطيع أن يمنعك من انتظار الفرج…

فيحاول أن يجعلك تظن أن الفرج لن يأتي.

وهكذا لا يبدأ السقوط من القدم…

بل من الفكرة.

والفكرة إذا استقرت في القلب، أصبحت شعورًا.

والشعور إذا تكرر، أصبح موقفًا.

والموقف إذا استمر، أصبح طريقًا.

وهنا تكمن خطورة سوء الفهم.


من البلاء إلى الجزع

تأمل هذا الطريق جيدًا…

يأتي البلاء.

فيتألم الإنسان.

ثم يبدأ في تفسير الألم.

فإن فسّره على أنه نهاية، خاف.

وإن خاف مما سيأتي، اضطرب.

وإن طال الأمر، جزع.

وإذا اشتد الجزع، بدأ يبحث عن أي تفسير يريح نفسه.

وهنا قد تأتيه الوسوسة:

«لن يتغير شيء.»

ثم:

«لقد طال الأمر كثيرًا.»

ثم:

«لماذا لم تُستجب دعوتي؟»

ثم:

«ربما لا فائدة من كل هذا.»

ولا يشعر الإنسان أن شيئًا يتغير داخله.

لم يتغير البلاء فقط…

بل تغيرت نظرته إلى البلاء.

وهذه أخطر مرحلة.

لأن الإنسان قد يعيش في البلاء أيامًا طويلة، ثم يسقط في لحظة بسبب تفسير واحد صدقه قلبه.


الفرق بين البلاء وتفسير البلاء

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر دقيق:

هناك فرق بين ما وقع، وبين ما تقوله النفس عن الذي وقع.

الواقع يقول:

حدثت لي مصيبة.

أما النفس فقد تقول:

هذه المصيبة تعني أنني منبوذ.

الواقع يقول:

تأخر الأمر.

أما النفس فقد تقول:

لن يأتي أبدًا.

الواقع يقول:

أُغلق هذا الباب.

أما النفس فقد تقول:

انتهت حياتي.

الواقع يقول:

أنا أتألم.

أما النفس فقد تقول:

أنا هالك.

وهنا يأتي دور البصيرة.

لا تجعل تفسيرك للأحداث هو الحدث نفسه.

فكم من شيء أخافك لأنك أعطيته معنى أكبر من حقيقته.

وكم من باب ظننته نهاية، ثم اكتشفت بعد زمن أنه لم يكن إلا بابًا مغلقًا.

وكم من تأخير ظننته حرمانًا، ثم حمدت الله يومًا أنه لم يعطك ما طلبت في الوقت الذي طلبته.


ولكن هل معنى ذلك ألا نطلب العافية ؟

ليس المقصود أن نقول إن الألم محبوب لذاته، ولا أن كل مصيبة تحمل بالضرورة معنى واحدًا نعرفه.

فالعبد قد يطلب العافية، ويجوز له أن يدعو برفع البلاء، وأن يسعى في دفع الضرر.

لكن الفرق بين المؤمن وغيره أن المؤمن لا يجعل شدة البلاء دليلًا على أن الله تركه.

بل يلجأ إلى الله في البلاء، ويأخذ بالأسباب، ويصبر، ويرجو، ويحسن الظن بربه.

قد يقول:

يا رب، لا أفهم ما يحدث، ولكنني أعلم أنني عبدك، وأنك أرحم بي من نفسي.

هذه الكلمة وحدها قد تمنع قلبًا من السقوط.

لأنها تُبقي العبد في موضع العبودية:

لا يدّعي العلم بما لا يعلم.

ولا يعترض على ما لم يُحط بحكمته.

ولا يجعل ألمه ميزانًا للحكم على ربه.


أخطر لحظة

أخطر لحظة ليست حين يبكي الإنسان.

ولا حين يضعف.

ولا حين يقول: يا رب نجني.

بل حين يبدأ القلب في بناء يقين على ظن.

حين يقول:

لقد تأخر الفرج، إذن لن يأتي.

لقد أُغلقت الأبواب، إذن لا أمل.

لقد اشتد البلاء، إذن أنا متروك.

لقد خسرت ما أحب، إذن الخير بعيد عني.

هذه ليست حقائق…

هذه تفسيرات.

والشيطان يريد منك أن تتعامل معها وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.

فإذا صدقتها، بدأ يبني عليها المرحلة التالية.

لأن الشيطان لا يحتاج منك أن تصدق كل شيء دفعة واحدة.

يكفيه أحيانًا أن تقبل فكرة واحدة خاطئة…

ثم يتركك أنت تكمل الباقي.


ولهذا كان الفهم من أعظم أبواب النجاة

إذا نزل بك البلاء، لا تسأل نفسك فقط:

متى ينتهي؟

اسأل أيضًا:

كيف ينبغي أن أكون وأنا فيه؟

إذا تأخر ما تريد، لا تجعل سؤالك الوحيد:

لماذا تأخر؟

بل قل:

كيف أحفظ قلبي في زمن التأخير؟

إذا أُغلق باب، لا تستسلم لتفسير النفس.

قل:

لا أعلم لماذا أُغلق، ولكنني أعلم أن الله يعلم وأنا لا أعلم.

هذه ليست سلبية.

وليست دعوة إلى ترك الأسباب.

بل هي حفظ للقلب من أن يتحول الجهل إلى اعتراض.


وأحذر ما هو أخطر من ذلك …

فالشيطان لا يريد منك فقط أن تسيء فهم البلاء.

بل يريد أن يجعلك تسيء فهم نفسك أثناء البلاء.

قد يجعلك ترى ضعفك فشلًا.

وخوفك هلاكًا.

وحزنك نفاقًا.

وتعبك نهاية.

فتبدأ في احتقار نفسك، ثم اليأس منها، ثم ترك الطريق.

مع أن الإنسان قد يضعف ثم يقوم.

وقد يبكي ثم يصبر.

وقد يتعب ثم يستعين بالله.

وقد يتعثر ثم يعود.

ليس السقوط أن تتألم.

السقوط الحقيقي أن تجعل الألم يخبرك أنك لم تعد تستطيع الرجوع.


انتبهوا لهذه النقطة

قد يأتي الشيطان إلى إنسان في شدة فيقول له:

أنت وحدك.

وقد يكون حوله أهله وأصدقاؤه وأسباب كثيرة.

لكن المقصود ليس الوحدة الجسدية…

بل أن يشعر القلب أنه متروك.

وقد يقول له:

لن يتغير شيء.

وقد يكون التغيير أقرب مما يظن.

وقد يقول:

انتهى الطريق.

وقد يكون ما يراه نهايةً مجرد مرحلة لم تكتمل بعد.

وهكذا يصنع الشيطان الظلام أولًا في التفسير، قبل أن يراه الإنسان في الطريق.

وهنا نفهم شيئًا شديد الخطورة:

قد لا يكون أول ما يسرقه الشيطان من الإنسان عمله… بل نظرته.

فإذا سرق نظرته، صار يرى النور ظلامًا، والتأخير هلاكًا، والابتلاء تخليًا، والانتظار عبثًا.

وهنا يصبح الإنسان مستعدًا للخطوة التالية.


لا تنخدع بالبداية

السقوط الكبير قد تكون بدايته جملة صغيرة.

فكرة عابرة.

خوف لم يُراجع.

تفسير لم يُمحص.

سؤال تُرك للوسوسة.

ثم تتراكم الأشياء.

حتى يأتي يوم يجد فيه الإنسان نفسه بعيدًا عن الثبات، فيسأل:

كيف وصلت إلى هنا؟

ولا يتذكر البداية.

لأن البداية لم تكن سقوطًا واضحًا.

كانت سوء فهم.

وهذا هو أول ما ينبغي أن نفهمه في هذه السلسلة:

الشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يغيّر طريقك مباشرة؛ يكفيه أن يغيّر فهمك للطريق.

فإذا تغيّر الفهم…

تغيّر الشعور.

وإذا تغيّر الشعور…

تغيّر القرار.

وإذا تغيّر القرار…

بدأت الخطوات.

والخطوات إذا تتابعت، صنعت مصيرًا.


فاحذر أول خيط

إذا نزل بك البلاء، فلا تجعل أول تفسير يخطر ببالك حقيقة مقدسة.

توقف.

تنفس.

ارجع إلى القرآن.

ارجع إلى الدعاء.

ارجع إلى أهل العلم والبصيرة فيما تحتاج إلى فهمه.

خذ بالأسباب.

واسمح لنفسك أن تحزن، ولكن لا تسمح للحزن أن يكتب لك عقيدتك.

وابكِ إن احتجت…

ولكن لا تجعل دموعك تفسر لك قدر الله.

وقل:

اللهم إني لا أعلم، وأنت تعلم.

ولا أرى، وأنت ترى.

ولا أحسن تدبير أمري، وأنت خير من يدبر.

فلا تجعل جهلي سببًا في سوء ظني بك.


وبعد أن عرفنا الخديعة الأولى:

بأن يجعل الشيطان الإنسان يسيء فهم ما يمر به.

لكن ماذا يحدث بعد أن ينجح في ذلك؟

ماذا يحدث حين يصبح الإنسان أسيرًا لسؤال:

«ماذا سيحدث بعد ذلك؟»

حين يبدأ العقل في صناعة أسوأ الاحتمالات؟

حين يصبح المستقبل مصدر رعب؟

وحين ينتقل القلب من مجرد عدم الفهم…

إلى الخوف مما لم يقع بعد؟

هنا يدخل الشيطان من باب آخر.

باب لا يحتاج فيه إلى مصيبة جديدة.

يكفيه أن يجعلك تخاف من مصيبة لم تأتِ.

وهنا تبدأ المرحلة التالية…

تبدأ الخديعة الثانية: الخوف.

فإذا كان سوء الفهم هو أول خطوة في بحر الظلام، فإن الخوف هو الموجة التي تدفع الإنسان إلى الداخل.

فاقرؤوا القادم بتدبر…

فما بعد هذه الخديعة ليس كما قبلها.

5 1 تصويت
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
4 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
زهرة المدائن
11 أيام

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم احفظنا من وساوس الشيطان

Kawther Mohamed
11 أيام

اللهم ماباعد بيننا وبين إبليس وجنوده ووسوسه وهمزاته ونزغاته وباعد بيننا وبين شياطين الانس والجن كما باعدت بين المشرق والمغرب واحفظنا بحفظك الذي لا يرام ولا يضام فأنت نعم المولي ونعم النصير

مريم رشاد
11 أيام

اللهم باعد بيننا وبين الشيطان واعوانه كما باعدت بين الارض والسماء ياالله اللهم تقبل دعائنا وانصرنا علي القوم الكافرين

Last edited 10 أيام by أبو العطاء الراجي
الجوهرة
11 أيام

نعم هذا يحدث كثيرا ولابد ان ننتبه لكل كلمة او فعل ولا نقع ف هذه الخديعه نسأل الله السلامه من شر كيد الشيطان
عن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).