من أشد الفتن التي أصابت المسلمين في العصور المتأخرة أن يتحول الخلاف العلمي إلى سببٍ للطعن في أئمة الإسلام، وأن يصبح تبديع المخالف هو الأصل، بعد أن كان الإنصاف هو منهج العلماء.
وليس المقصود بهذا المقال إلغاء الخلاف العقدي بين المدارس الإسلامية، ولا الادعاء بأن الجميع على قول واحد في كل مسألة، فذلك مخالف للواقع والتاريخ. وإنما المقصود بيان حقيقة مهمة، وهي أن علماء الأمة عبر قرون طويلة اختلفوا في مسائل عقدية مع بقاء رابطة أهل السنة بينهم، ولم يجعلوا تلك الخلافات سببًا لإسقاط الإمامة العلمية أو تمزيق جماعة المسلمين.
أولًا: من هم أهل السنة والجماعة؟
يطلق مصطلح “أهل السنة والجماعة” عند المتقدمين والمتأخرين على من تمسك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة في أصول الدين، وإن اختلفوا في بعض مسائل النظر.
وقد اشتهر عند طائفة من العلماء تقسيم أهل السنة إلى ثلاث مدارس كبرى:
- أهل الأثر.
- الأشاعرة.
- الماتريدية.
ومن أشهر من نص على ذلك الإمام الحنبلي السفاريني في كتابه لوامع الأنوار البهية، حيث قال:
“أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، والأشعرية، والماتريدية.”
وهذا النقل له قيمته؛ لأنه صادر عن إمام حنبلي، وليس عن عالم أشعري.
كما نجد في كتب التراجم أن كبار علماء الحديث والفقه والقضاء عبر القرون كانوا منتمين إلى هذه المدارس، مع بقاء الاحترام المتبادل بينهم.
ثانيًا: هل كان الأشاعرة خارج أهل السنة عند أئمة الحديث؟
الجواب الذي تشهد به كتب التاريخ: لا.
فالحافظ الذهبي ترجم للأشاعرة، وأثنى على عدد كبير منهم، ووصفهم بالإمامة والحفظ والديانة.
وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، والإمام البيهقي، والإمام العز بن عبد السلام، والإمام ابن دقيق العيد، والإمام السيوطي، وغيرهم من أعلام الأمة، ولم يقل أحد من أئمة عصرهم إنهم خارجون عن أهل السنة.
بل بقيت مؤلفاتهم مراجع للأمة كلها في الحديث والفقه والتفسير واللغة إلى يومنا هذا.
ولو كان مجرد الانتساب إلى الأشعرية موجبًا للبدعة المخرجة عن أهل السنة، لما تلقّت الأمة كتب هؤلاء الأئمة بالقبول، ولما امتلأت بها المدارس والمساجد والجامعات الإسلامية طوال قرون.
ثالثًا: مذهب أهل الحديث في الصفات
من القضايا التي كثر حولها الجدل: هل كل ما تقوله السلفية المعاصرة هو نفسه مذهب أهل الحديث المتقدمين؟
هذه مسألة تحتاج إلى تحرير.
فقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (5/370) في ترجمة الإمام ابن رشيد:
قال الذهبي: “كان شيخنا ابن رشيد على مذهب أهل الحديث في الصفات يُمرها ولا يتأول.”
وهذا يدل على أن الذهبي وصف مذهب أهل الحديث بالإمرار، وهو نقل تاريخي ثابت.
لكن العلماء اختلفوا بعد ذلك في تفسير معنى “الإمرار”: هل هو مع إثبات المعنى اللغوي وتفويض الكيفية، أم مع تفويض الكيفية وبعضهم يفوض المراد التفصيلي؟ ولذلك لا يصح اختزال جميع أهل الحديث في تقرير واحد، كما لا يصح نسبة جميع أقوال المتأخرين إلى جميع السلف.
رابعًا: الخلاف لا يوجب التبديع
قرر علماء الإسلام أن مسائل الاجتهاد لا يجوز أن تكون سببًا في تمزيق الأمة.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى:
“ومن اجتهد من أمة محمد ﷺ وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه.”
وقال أيضًا:
“وليس كل من أخطأ في شيء من هذه المسائل يكون هالكًا.”
وهذا أصل عظيم ينبغي أن يضبط الحوار بين المسلمين.
فإذا كان هذا في مسائل عقدية وقع فيها الاجتهاد، فكيف يُجعل مجرد الانتساب إلى مدرسة عقدية سببًا للتبديع العام أو إسقاط مكانة أئمة الأمة؟
خامسًا: لماذا يجب أن نحذر من خطاب الإقصاء؟
إن الطعن في الأشاعرة بإطلاق لا يقف عند مدرسة كلامية فحسب، بل يمتد إلى جمهور كبير من أئمة الحديث والفقه والتفسير الذين انتسبوا إلى هذه المدرسة أو وافقوها في الجملة.
كما أن الطعن في أهل الأثر بإطلاق ظلمٌ كذلك، لأن فيهم أئمة كبارًا خدموا الإسلام وأفنوا أعمارهم في نصرة السنة.
ولهذا فإن العدل يقتضي أن يُعرف لكل ذي فضل فضله، وأن يُناقش الخطأ بالدليل، دون إسقاط الأشخاص أو هدم مكانتهم العلمية.
كلمة جامعة
لقد حفظ الله هذا الدين بأئمة كثيرين، منهم المحدث، والفقيه، والمفسر، والأصولي، من مختلف المدارس السنية.
ولم يكن اجتماعهم على خدمة الإسلام متوقفًا على اتفاقهم في كل جزئية من مسائل الاعتقاد.
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة أدب الخلاف الذي عرفه علماؤها، وإلى التفريق بين النقد العلمي المشروع وبين خطاب التبديع والإقصاء.
فالحق يُعرف بالدليل، والعدل واجب مع الموافق والمخالف، وحفظ مكانة علماء الأمة من حفظ الدين نفسه.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وقال سبحانه:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10].
🤲 فاللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعل اختلافنا رحمة لا فرقة، واجمع الأمة على كتابك وسنة نبيك ﷺ.




اللهم وحد صفوفنا واحفظنا من الضلال والفتنة والبدع وأرنا الحق واحفظنا بعينك التي لاتنام واللهم لك الحمد والشكر علي نعمة الاسلام
🤲🤲🤲
اللهم احفظنا ونجنا وثبتنا امام الفتن والمغريات وثبت اقدامنا علي صراطك المستقيم وعلي دينك وسنة نبيك الكريم
🤲🤍🤲