قراءة في أقوال العلماء وضوابط الخلاف في مسائل العقيدة
إذا تصفح المسلم كتب العقيدة، أو تابع النقاشات الدائرة في هذا الباب، فقد يظن أن الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث بلغ حدًّا يجعل كل فريق خارجًا عن أهل السنة.
ويزداد هذا التصور عندما يقرأ عبارات شديدة أو يسمع أحكامًا عامة تُطلق دون تفصيل.
لكن هل هذا هو تصوير علماء الأمة لهذه المسألة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة والإنصاف؟
إن البحث في هذه القضية لا ينبغي أن يكون بقصد الانتصار لمدرسة، ولا لتتبع أخطاء العلماء، وإنما لفهم تاريخ الفكر الإسلامي، ومعرفة كيف تعامل أئمة الأمة مع الخلاف العقدي، وما الضوابط التي وضعوها للحكم على الأشخاص والمناهج.
أولًا: من هم أهل السنة والجماعة؟
يطلق مصطلح أهل السنة والجماعة على المسلمين الذين يتمسكون بالقرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم في أصول الدين.
غير أن هذا المصطلح استُعمل عبر القرون بأكثر من معنى.
فقد يستعمله بعض العلماء استعمالًا عامًا، فيدخلون فيه المدارس العقدية الكبرى المنتسبة إلى السنة، كالأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث.
وقد يستعمله آخرون استعمالًا أخص، فيقصرونه على المنهج الأثري في باب الصفات، ويرون أن غيره خالف في بعض مسائل الاعتقاد.
ولذلك ينبغي للقارئ أن ينتبه إلى أن اختلاف العلماء في تعريف المصطلح نفسه هو أحد أسباب اختلافهم في تنزيله على المدارس العقدية.
ثانيًا: هل اتفق العلماء على حكم واحد؟
الجواب: لا.
فلم يجمع علماء الأمة على رأي واحد في هذه المسألة.
فمن العلماء من عدَّ الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، وإن خالفهم في بعض المسائل، ومنهم من رأى أنهم من أهل القبلة ومن علماء الإسلام، لكنه لا يدخلهم في المعنى الخاص لأهل السنة في باب الصفات.
وفي المقابل، لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين إن مجرد هذه الخلافات تجعل جميع المنتسبين إلى تلك المدارس خارجين من الإسلام، أو أن دماءهم أو أعراضهم تستباح، فهذه دعوى باطلة تخالف أصول الشريعة.
ثالثًا: لماذا وقع الخلاف أصلًا؟
يرجع جانب كبير من الخلاف إلى طريقة التعامل مع بعض النصوص المتعلقة بصفات الله تعالى.
فالجميع يتفق على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، والجميع يثبت لله صفات الكمال، لكنهم اختلفوا في المنهج الذي يرونه أقرب لتحقيق هذا المقصد في بعض النصوص.
ولهذا وصف كثير من الباحثين هذا الخلاف بأنه خلاف في منهج الاستدلال والفهم أكثر من كونه خلافًا في أصل الإيمان بالله.
رابعًا: كيف تعامل كبار العلماء مع هذا الخلاف؟
الناظر في تاريخ الأمة يجد أن العلماء لم يكونوا على موقف واحد.
فقد أثنى بعضهم على علماء من الأشاعرة أو الماتريدية، وانتفع بكتبهم في التفسير والحديث والفقه، مع مخالفته لهم في بعض مسائل الاعتقاد.
وفي المقابل، كتب علماء آخرون ردودًا علمية على ما رأوه أخطاء في باب الصفات، مع المحافظة على أدب الحوار، والدعاء للمخالف، والتمييز بين الخطأ وصاحبه.
وهذا يعلمنا أن النقد العلمي لا يستلزم إسقاط العلماء، كما أن توقير العلماء لا يعني عصمتهم من الخطأ.
خامسًا: ما الموقف الصحيح لطالب العلم؟
إذا لم يكن المسلم من أهل التخصص، فلا ينبغي أن يجعل هذه المسائل سببًا للخصومة والفرقة.
بل يبدأ بتعلم أصول الإيمان، وتعظيم الله، وقراءة القرآن، والعمل بالسنة، وسؤال أهل العلم الثقات، مع اجتناب التعصب للأشخاص أو المدارس.
أما طالب العلم المتخصص، فعليه أن يدرس أقوال العلماء من مصادرها الأصلية، وأن يحرص على العدل، وألا ينسب إلى مدرسة ما لم تقله، أو يحمل كلامها على غير مرادها.
فالعدل في العلم عبادة، والإنصاف خلق الأنبياء والعلماء.
سادسًا: ما الذي يجمع المسلمين أكثر مما يفرقهم؟
إذا تأملنا واقع الأمة وجدنا أن ما يجمعها أعظم بكثير مما تختلف فيه.
فجميع المسلمين يتوجهون إلى قبلة واحدة، ويؤمنون برب واحد، ويقرؤون كتابًا واحدًا، ويتبعون رسولًا واحدًا صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن الواجب أن يبقى الحوار العلمي في إطاره الصحيح، بعيدًا عن التبديع بغير حق، أو التباغض، أو تحويل مسائل العلم إلى أسباب للفرقة.
المعرفة التي تورث الأدب
كلما ازداد الإنسان معرفة بالله، ازداد تواضعًا.
وكلما ازداد علمًا، علم أن العلماء بشر، يصيبون ويخطئون، وأن فضلهم لا يسقط بخطأ، كما أن الخطأ لا يتحول إلى حق لمجرد صدوره من عالم كبير.
ومن أعظم ثمار العلم حسن الأدب مع الله، ثم مع رسوله، ثم مع علماء الأمة، والدعاء لهم، والاستفادة من صوابهم، واجتناب ما ظهر خطؤه بالدليل.
خاتمة
لقد حفظ الله لهذه الأمة علماء أفنوا أعمارهم في خدمة القرآن والسنة، وكان مقصدهم جميعًا نصرة التوحيد، وإن اختلفت مناهجهم في بعض مسائل العقيدة.
ولهذا فإن المسلم ينبغي أن يجعل ميزانه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يطلب العلم من أهله، وأن يتحلى بالعدل والإنصاف، وألا يجعل الخلاف سببًا للعداوة، بل وسيلة للبحث عن الحق، مع حفظ مكانة العلماء، والدعاء لهم، واجتماع القلوب على عبادة الله وحده.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والبصيرة في الدين، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهدينا جميعًا إلى الحق الذي يحبه ويرضاه.




تم
كلامك دقيق وصائب تماماً
وهذا هو عين المنهج الذي خطّه علماء الأمة الراسخون في العلم.
إن تحويل المسائل العلمية والاجتهادية إلى معارك للشخصنة والتباغض هو من أكبر الآفات التي تمزق وحدة المجتمعات الإسلامية.