شيخك دليلٌك إلى الله… وليس مالكًا لأقدارك

شيخك دليلٌ إلى الله… وليس مالكًا لأقدارك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من أعظم مقاصد التربية الإيمانية أن يتعلق قلب المريد بالله وحده، وأن يعلم أن كل الخلق أسباب، وأن المسبب هو الله وحده، وأن الهداية، والشفاء، والرزق، والنصر، والفتح، والعطاء، والمنع… كلها بيده سبحانه لا شريك له.

ولهذا كان المربي الصادق يفرح إذا رأى مريده يزداد تعلقًا بالله، ويخاف إذا رأى قلبه يتجه إليه هو أكثر من توجهه إلى ربه.

منزلة الشيخ في الإسلام

الشيخ الصادق ليس إلا عبدًا من عباد الله، فضّل الله بعض عباده على بعض بالعلم والخبرة والتجربة، وجعله سببًا في تعليم الناس وتربيتهم، كما جعل الطبيب سببًا في العلاج، والمعلم سببًا في التعليم، والأب سببًا في التربية.

فهو يدل على الطريق، ولا يملك الطريق.

ويرشد إلى الله، ولا يملك الهداية.

ويدعو للمريد، ولا يملك إجابة الدعاء.

ويأخذ بالأسباب، ولا يخلق النتائج.

ولهذا لم يجعل الله لأحد من خلقه شيئًا من خصائص الربوبية.

النبي ﷺ نفسه لم يملك ذلك

إذا كان خير خلق الله، وأكرمهم عليه، محمد ﷺ، قد أمره الله أن يعلن للناس حقيقة مقامه، فكيف بمن دونه؟

قال تعالى:

﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

[الأعراف: 188]

تأمل هذه الآية…

لو كان أحد يعلم الغيب لكان رسول الله ﷺ أولى الناس بذلك، ولكنه أُمر أن يقول:

﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾.

فإذا كان النبي ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه بوحي، فكيف يُنسب ذلك إلى شيخ، أو مربي، أو صالح؟

وقال سبحانه:

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾

[الجن: 21]

أي لا أملك أن أدفع عنكم الضر، ولا أن أخلق لكم الهداية من عند نفسي.

وقال جل جلاله:

﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾

[الجن: 22]

فإذا كان رسول الله ﷺ يعلن افتقاره إلى ربه، فكيف يليق بمريد أن يعتقد أن شيخه يملك له ما لم يملكه رسول الله ﷺ لنفسه؟

بين الأخذ بالأسباب والتعلق بالأشخاص

قد يدعو الشيخ لمريده، فيستجيب الله.

وقد ينصحه، فينفعه الله بالنصيحة.

وقد يعلمه ذكرًا أو دعاءً ثابتًا، فيفتح الله عليه بسببه.

لكن الفتح من الله.

والإجابة من الله.

والشفاء من الله.

والتوفيق من الله.

والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

فالشيخ سبب، وليس خالقًا للأسباب.

ومن الخطأ أن يتحول السبب إلى غاية، أو أن يتعلق القلب بالمخلوق أكثر من تعلقه بالخالق.

ليس كل فراسة علمًا بالغيب

قد يفتح الله على بعض عباده بفراسة صادقة، أو بإلهام، أو برؤيا صالحة، وقد قال النبي ﷺ:

«اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله.»
(وقد اختلف أهل العلم في ثبوت هذا الحديث، لكن الفراسة في الجملة ثابتة عند أهل العلم بمعناها العام.)

غير أن الفراسة ليست علمًا بالغيب.

والإلهام ليس وحيًا.

والرؤيا ليست مصدرًا للتشريع.

فلا يجوز أن يعتقد أحد أن شيخه يعلم ما سيحدث غدًا، أو يطلع على ما في القلوب، أو يتصرف في الأقدار.

فهذه كلها من خصائص الله سبحانه.

إذا أحببت شيخك… فأحسن فهم منزلته

من محبة الشيخ أن تنزله المنزلة التي أنزله الله إياها، لا أن ترفعه فوق مقامه.

فالشيخ الصادق لا يريد منك أن تتعلق به، بل يريد أن يأخذ بيدك حتى تتعلق بالله.

ولا يريد أن يسمع منك:

“شيخي فعل.”

وإنما يفرح أن يسمعك تقول:

“ربي لطف.”

“ربي هداني.”

“ربي نجاني.”

“ربي فتح علي.”

فكلما ازداد قلبك تعلقًا بالله، علم الشيخ أن التربية تؤتي ثمارها.

كلمة إلى كل مريد

يا أخي المبارك…

إذا أحببت شيخك، فاشكر له تعليمه، وادع له، وأحسن الأدب معه، وانتفع بعلمه، واستفد من تجربته.

لكن اجعل قلبك معلقًا بالله وحده.

فإذا دعا لك الشيخ، فاعلم أن المستجيب هو الله.

وإذا نصحك، فاعلم أن النافع هو الله.

وإذا فتح الله عليك، فاحمد الله قبل كل شيء.

فالغاية من التربية ليست أن يقف المريد عند شيخه، وإنما أن يعبر به إلى مقام العبودية الخالصة لله رب العالمين.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق التوحيد، وكمال التوكل عليه، وحسن الأدب مع أهل العلم والصلاح، وأن يجعلهم مفاتيح للخير، وأن يجعل قلوبنا معلقة به وحده، فلا نرجو إلا فضله، ولا نخاف إلا منه، ولا نتوكل إلا عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

3 أفكار عن “شيخك دليلٌك إلى الله… وليس مالكًا لأقدارك”

اترك تعليقاً