واأسفاه ….حين نسبق إلى الدنيا ونتأخر عن الله

لماذا نتسابق إلى الدنيا أكثر مما نتسابق إلى الله؟
لما مررت على بعض المساجد، وجدتها لا تزال تنتظر كثيرًا من عمارها، فظللت أمشي في الشوارع، فإذا بالمقاهي والمطاعم وأماكن اللهو وعرض المباريات تضج بالناس، يتسارعون إليها تسارع الظمآن إلى الماء، ويتزاحمون عليها تزاحم الباحثين عن كنز لا يفوت.
فوقفت أتساءل…
ما الذي يجعل المسلم يبذل كل هذا الحرص والوقت والجهد من أجل أمر مباح، ثم يثقل عليه أن يمشي خطوات إلى المسجد؟
يحرص على الصفوف الأولى لمشاهدة المباريات ،، ويتأخر حتى عن الصف الاخير في الصلوات ؟
وما الذي يجعل موعد اللقاء مع الأصدقاء لا يُنسى، بينما قد تُنسى الصلاة أو تؤخر عن وقتها؟
ولماذا نستيقظ مبكرًا من أجل الدنيا، ونتأخر عن الطاعات التي هي زاد الآخرة؟
ليست المشكلة في المطاعم، ولا في المقاهي، ولا في سائر المباحات.
فالإسلام لم يأت ليحرم الحياة، بل جاء ليهذبها ويقيم ميزانها.
وقد كان رسول الله ﷺ يمازح أصحابه، ويأكل، ويشرب، ويبتسم، ويخالط الناس، ولم يكن الدين يومًا دعوة إلى الانعزال عن الحياة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
أين يقع الله في سلم أولوياتنا؟
إن المؤلم ليس أن يمتلئ المقهى.
بل أن يفرغ المسجد.
وليس أن يزدحم الناس على المباح.
بل أن يكسلوا عن الطاعة.
فلو رأيت تخفيضًا في متجر، لرأيت الناس يتسابقون إليه قبل أن تنفد العروض.
ولو أعلن مطعم عن وجبة مجانية، لرأيت الطوابير تمتد أمام بابه.
ولو دُعي الناس إلى مناسبة دنيوية، أو مباراة كروية ، لتزاحموا عليها، وربما اعتذروا عن أعمالهم ليحضروها.
لكن عندما ينادي المنادي:
حي على الصلاة… حي على الفلاح.
كم قلبًا يتحرك؟
وكم قدمًا تخطو؟
إن القضية ليست قضية وقت، بل قضية محبة.
فالإنسان يهرع إلى ما يعظم في قلبه.
ولهذا قال بعض السلف: إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر إلى منزلة الله في قلبك.
وليس المقصود أن يترك الناس دنياهم.
فالله أمرنا أن نبتغي فيما آتانا الدار الآخرة، ولا ننسى نصيبنا من الدنيا.
ولكنه سبحانه لم يرضَ أن تنقلب الموازين، فتغدو الدنيا هي الأصل، والآخرة هي الهامش.
إن المباح إذا شغل عن الواجب، لم يعد نعمة، بل أصبح فتنة.
وإذا استهلك أعمارنا حتى ضاعت الصلوات، وقست القلوب، وضعفت صلتنا بالله، فقد تحول من وسيلة راحة إلى سبب خسارة.
تأمل حال كثير منا.
قد نسافر ساعات من أجل نزهة.
ونقف طويلًا في طابور من أجل مطعم.
ونسهر حتى آخر الليل مع الأصحاب.
لكننا نشعر بثقل عجيب إذا دعينا إلى مجلس قرآن، أو حلقة علم، أو صلاة الفجر في جماعة.
وهنا ينبغي أن يسأل كل واحد منا نفسه:
هل هذا الثقل من طبيعة العبادة؟
أم من مرض أصاب القلب؟
إن القلب إذا امتلأ بمحبة الله، لم تعد الطاعة ثقيلة، بل أصبحت راحة.
ولهذا كان نبينا ﷺ يقول:
«أرحنا بها يا بلال».
لم يكن يرى الصلاة عبئًا، بل راحة.
ولم يكن الذكر ثقلاً، بل حياة.
ولم يكن الوقوف بين يدي الله انقطاعًا عن الدنيا، بل اتصالًا بمصدر القوة والسكينة.
فما أحوجنا إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا.
أن نتسابق إلى صلاة الجماعة كما نتسابق إلى مواعيدنا.
وأن نتنافس في الصيام كما نتنافس في الولائم.
وأن نجتمع على القرآن كما نجتمع على المجالس.
وأن يكون لنا من الحرص على الآخرة مثل ما لنا من الحرص على الدنيا، بل أكثر.
فالعمر قصير.
والدنيا راحلة.
وكل ساعة نقضيها اليوم، سنقف غدًا نسأل عنها بين يدي الله.
فلنستمتع بالمباح، ولكن دون أن يسرق منا الفرائض.
ولنأخذ من الدنيا ما يعيننا على الآخرة، لا ما يبعدنا عنها.
فالميزان الذي جاء به الإسلام ليس حرمانًا من الدنيا، وإنما ألا تكون الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية قصدنا.
نسأل الله أن يجعل المساجد عامرة بعباده، وأن يجعل قلوبنا معلقة بطاعته، وأن يرزقنا لذة العبادة، وحسن الموازنة بين أمر ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا من السابقين إلى الخيرات، إنه الهادي، والفتاح، والرزاق، واللطيف.🤲

اترك تعليقاً