من هو الله ..؟ 3- بين المتفق عليه ومنهج الأثرية ( السلفية ) بعيدا عن الخلاف والتعصب ..

من هو الله؟ كما عرفه أهل السنة والجماعة… ثم كيف فهم الأثرية (أهل الحديث ، السلف) صفاته؟

إذا كانت أعظم نعمة يمنحها الله لعبدٍ من عباده هي الهداية، فإن أعظم أبواب الهداية هو أن يعرف الإنسان ربه معرفةً صحيحة، فيعبده على بصيرة، ويحبه على علم، ويزداد يقينًا كلما ازداد معرفةً بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

ولهذا لم يكن الحديث عن الله تعالى عند علماء الإسلام مجرد بحث نظري، بل كان بابًا لتزكية القلوب، وإحياء الأرواح، وتقوية الصلة بالخالق سبحانه.

قال الله تعالى:

﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.

فكل اسم من أسماء الله، وكل صفة من صفاته، تقود المؤمن إلى عبودية جديدة، وإلى يقين أعمق، وإلى محبة أعظم.

ما الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة؟

كما ذكرنا من قبل

يتفق أهل السنة والجماعة، على اختلاف مدارسهم العقدية، على أصول الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

فيؤمنون جميعًا بأن الله واحد لا شريك له، خالق كل شيء، الأول والآخر، الظاهر والباطن، الحي القيوم، العليم، القدير، السميع، البصير، المتكلم، وأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو المستحق وحده لجميع أنواع العبادة.

كما يؤمنون بأن أسماء الله وصفاته توقيفية، تثبت بما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأن الله منزه عن كل نقص، موصوف بكل كمال يليق بجلاله.

وهذه الأصول هي التي تجمع مدارس أهل السنة، مهما اختلفت مناهجها في بعض تفاصيل باب الصفات.

من هم الأثرية؟

يطلق اسم الأثرية ( أهل الحديث ) أو مدرسة السلف على المنهج الذي يعتمد في باب العقيدة على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار الصحابة والتابعين فقط ، ويجعلها الأصل في إثبات العقائد، مع تجنب الخوض في المسائل الكلامية والفلسفية إلا عند الحاجة.

ويرى أصحاب هذا المنهج أن خير القرون هم الصحابة رضي الله عنهم، ثم التابعون، ثم أتباعهم، وأن فهمهم للنصوص هو الميزان الذي ينبغي أن يُرجع إليه.

ومن أبرز الأئمة الذين اشتهروا بخدمة هذا المنهج الإمام أحمد بن حنبل، ثم من جاء بعده من علماء الحديث والعقيدة.

كيف يثبت الأثرية صفات الله؟

يرى الأثرية أن الأصل هو إثبات كل ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

فإذا ورد في القرآن أو السنة اسم أو صفة لله تعالى، فإنهم يثبتونها كما جاءت، مع الإيمان الكامل بأن الله لا يشبه شيئًا من خلقه.

ويستدلون بقوله تعالى:

﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.

فيجمعون بين إثبات الصفات، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.

موقفهم من الصفات الخبرية

عند ورود صفات مثل:

  • الوجه.
  • اليدين.
  • العين.
  • الاستواء على العرش.
  • النزول.

فإن الأثرية يثبتون هذه الصفات كما وردت في النصوص، من غير تأويل يصرفها عن ظاهرها اللائق بالله، ومن غير البحث في كيفيتها.

ويعبرون عن ذلك بقول مشهور عند علماء السلف:

“نثبتها كما جاءت، بلا كيف.”

أي أنهم لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه، ولا يحاولون تصور كيفية هذه الصفات، لأن كيفية ذات الله غيب لا يعلمه إلا هو سبحانه.

ما الذي يميز هذا المنهج؟

يرى أصحاب المنهج الأثري أن السلامة في باب العقيدة تكون بالوقوف عند ألفاظ الوحي، وعدم إدخال التأويلات العقلية إلا عند الضرورة، وأن ما سكت عنه الشرع ينبغي التوقف فيه.

ولهذا يكثر في كتبهم التأكيد على اتباع فهم السلف، والابتعاد عن الجدل الكلامي، ويرون أن ذلك أقرب إلى حفظ العقيدة كما تلقاها الصحابة رضي الله عنهم.

أين يقع الخلاف مع المدارس الأخرى؟

يتفق الأثرية مع الأشاعرة والماتريدية في أصول التوحيد، وإثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عن النقص، والإيمان بأنه ليس كمثله شيء.

لكن الخلاف بينهم يدور غالبًا حول كيفية التعامل مع بعض نصوص الصفات الخبرية؛ فبينما يميل جمهور الأشاعرة وكثير من الماتريدية إلى التفويض أو التأويل في بعض المواضع، يرى الأثرية أن الأولى هو إثباتها كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل.

وهذا من أشهر مواضع الخلاف بين هذه المدارس، مع بقاء اتفاقها على تعظيم الله سبحانه وتعالى، وتنزيهه عن مشابهة خلقه.

ثمرة معرفة الله

مهما اختلفت مناهج العلماء في شرح بعض المسائل، فإن الغاية التي اجتمعوا عليها واحدة، وهي أن يعرف العبد ربه حق المعرفة.

فإذا امتلأ القلب بمعرفة الله، سهلت عليه الطاعة، وهان عليه البلاء، واطمأن عند الشدائد، لأنه يعلم أن ربه حكيم، رحيم، عليم، قدير، لا يضيع عباده، ولا يترك أولياءه.

ولهذا كانت العقيدة في حقيقتها بابًا لبناء القلب، قبل أن تكون بابًا للجدل والمناظرات.

خاتمة

يمثل المنهج الأثري أحد المناهج الكبرى في فهم نصوص الصفات عند أهل السنة والجماعة، وقد حرص علماؤه على التمسك بظاهر النصوص مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة خلقه، مؤكدين أن صفاته تليق بجلاله، وأن العقول لا تحيط بحقيقة ذاته.

ويبقى الأصل الذي يجمع المسلمين جميعًا هو الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي ليس كمثله شيء، والعمل بما يقرب إليه، فإن المقصود من معرفة الله ليس كثرة الجدل، وإنما زيادة الإيمان، وإصلاح القلوب، وتعظيم الخالق سبحانه وتعالى.

🤲 اللهم يا أحد، يا صمد، يا عظيم، ارزقنا العلم النافع، والإيمان الصادق، ومعرفتك التي تُحيي القلوب، وثبتنا على الحق حتى نلقاك.

اترك تعليقاً