دراسة هادئة في مواضع الاتفاق والاختلاف
من أكثر أبواب العقيدة التي كثر فيها الحديث عبر تاريخ المسلمين باب أسماء الله وصفاته.
وقد يظن بعض الناس أن الخلاف فيه يمس أصل الإيمان بالله، بينما الحقيقة أن مساحة الاتفاق بين علماء أهل السنة أكبر بكثير من مساحة الخلاف، وأن أكثر ما اختلفوا فيه هو منهج التعامل مع بعض نصوص الصفات، لا الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
ومن أجل ذلك، كان من الإنصاف أن نتعرف على ما يجمع هذه المدارس قبل أن نتحدث عما يميز كل واحدة منها.
أولًا: ما الذي اتفق عليه الجميع؟
اتفق الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث (الأثرية) على أصول عظيمة، منها:
- أن الله واحد لا شريك له.
- أنه خالق كل شيء.
- أنه الأول والآخر.
- أنه الحي القيوم.
- أنه العليم القدير.
- أنه السميع البصير.
- أنه المتكلم.
- أنه ليس كمثله شيء.
- وأنه المستحق وحده لجميع أنواع العبادة.
كما اتفقوا على أن أسماء الله الحسنى وصفاته العلى توقيفية، تثبت بما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأن الله سبحانه منزه عن كل نقص.
وهذا هو الأساس الذي يجمعهم جميعًا.
ثانيًا: أين بدأ الاختلاف؟
حين وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية صفات مثل:
- الاستواء على العرش.
- الوجه.
- اليدين.
- العين.
- النزول.
نشأ سؤال علمي:
كيف تُفهم هذه النصوص مع الإيمان بأن الله ليس كمثله شيء؟
ومن هنا ظهرت مناهج مختلفة داخل أهل السنة.
منهج الأشاعرة
يرى الأشاعرة أن نصوص الصفات كلها حق، وأن الله منزه عن مشابهة المخلوقات.
ولذلك سلك جمهورهم أحد طريقين:
- التفويض، وهو الإيمان بالنص مع تفويض حقيقة الكيفية إلى الله.
- أو التأويل في بعض المواضع إذا رأوا أن ظاهر اللفظ قد يوهم التشبيه، فيصرفونه إلى معنى تحتمله اللغة العربية ويوافق التنزيه.
وكان مقصدهم من ذلك حماية عقيدة التنزيه.
منهج الماتريدية
يتفق الماتريدية مع الأشاعرة في معظم مسائل الصفات، ويشاركونهم في أصل التنزيه.
ويميل كثير منهم إلى التفويض، وقد يستعمل بعضهم التأويل في بعض النصوص، مع التأكيد على أن الله سبحانه لا يشبه شيئًا من خلقه.
ولهذا يعد العلماء المدرستين متقاربتين جدًا في هذا الباب.
منهج أهل الحديث (الأثرية)
يرى أهل الحديث أن الواجب هو إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، كما ورد في النصوص.
لكنهم يؤكدون أن هذا الإثبات يكون:
- بلا تشبيه.
- ولا تمثيل.
- ولا تكييف.
- ولا تحريف.
- ولا تعطيل.
ولذلك يقولون في الصفات الخبرية:
“نثبتها كما جاءت، ونكل كيفيتها إلى الله.”
هل هذا يعني أنهم مختلفون في الله؟
لا.
فالجميع يؤمن بالله الواحد الأحد، ويثبت له صفات الكمال، وينزهه عن مشابهة المخلوقات.
وإنما يدور الخلاف حول الطريقة العلمية في فهم بعض النصوص، وهل الأولى فيها التأويل، أو التفويض، أو إثبات ظاهرها اللائق بالله مع نفي الكيفية.
ولهذا فإن وصف الخلاف بأنه خلاف في “منهج الفهم” أدق من وصفه بأنه خلاف في “الإيمان بالله”.
كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذا الخلاف؟
إذا لم يكن طالب علم متخصصًا، فالأولى له أن يشتغل بما يزيد إيمانه بالله، وأن يقرأ العقيدة على يد العلماء الثقات، وألا يجعل مسائل الخلاف سببًا للطعن في المسلمين.
فقد كان علماء هذه المدارس يقصدون جميعًا نصرة التوحيد، وتعظيم الله، والذب عن عقيدة الإسلام، وإن اختلفت مناهجهم في بعض المسائل.
ولهذا فإن احترام العلماء، وحسن الظن بهم، ومعرفة قدرهم، من تمام الإنصاف.
ثمرة معرفة الله
ليست الغاية من دراسة هذه المناهج أن يحفظ الإنسان أسماء المدارس، وإنما أن يعرف ربه.
فإذا عرف أن الله هو الرحمن، أحسن الرجاء.
وإذا عرف أنه الحكيم، رضي بقضائه.
وإذا عرف أنه السميع، أكثر من الدعاء.
وإذا عرف أنه البصير، استحيا من معصيته.
وهكذا تتحول العقيدة من مناظرات، إلى عبودية، ومن معلومات، إلى يقين.
خاتمة
لقد حفظ الله لهذه الأمة علماء اجتهدوا في بيان عقيدة التوحيد والدفاع عنها، وكان لكل مدرسة منهجها في فهم بعض النصوص، مع اجتماعهم على أصول الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
ولهذا فإن الواجب على المسلم أن يعظم ربه، وأن يتعلم عقيدته من مصادرها الموثوقة، وأن يجعل ثمرة العلم زيادة الإيمان، وحسن العبادة، واجتماع القلوب على الحق، فإن معرفة الله هي أشرف العلوم، وأعظم ما تتعلق به القلوب.
🤲 اللهم يا حق، يا حكيم، يا هادي، أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وألِّف بين قلوب المسلمين على الهدى، واجعل علمنا سببًا لزيادة الإيمان وحسن العبادة.



