بعد أن يتعلم العبد محبة الله، والخوف والرجاء، ومراقبة الله، تأتي منزلة عملية شديدة الأهمية، وهي أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق.
فالمراقبة أن يعلم العبد أن الله يراه.
أما المحاسبة فهي أن ينظر العبد في نفسه، ويتفقد أعماله، ويسأل قلبه:
أين أنا من الله؟
ماذا قدمت؟
ماذا أفسدت؟
ما الذي ينبغي أن أتوب منه؟
وما الذي ينبغي أن أستمر عليه؟
فالإنسان الذي لا يراجع نفسه قد يعيش سنوات طويلة وهو يظن أنه يتقدم، بينما هو في الحقيقة يدور حول نفسه.
ولهذا كانت محاسبة النفس من أعظم وسائل إصلاح القلب.
ما معنى محاسبة النفس؟
محاسبة النفس ليست أن يكره الإنسان نفسه، ولا أن يعيش في احتقار دائم لذاته.
وليست أن يظل يردد:
أنا سيئ، وأنا فاشل، وأنا لا أستحق الرحمة.
هذا ليس من المحاسبة النافعة.
بل محاسبة النفس أن يعرف الإنسان مواضع الخلل في نفسه، فيعالجها.
وأن يعرف نعم الله عليه، فيشكره عليها.
وأن يرى تقصيره، فيستغفر.
وأن يرى الطاعة، فيحمد الله ولا يغتر بها.
إنها وقفة صدق بين الإنسان ونفسه.
لماذا نحاسب أنفسنا؟
لأن النفس قد تخدع صاحبها.
قد تبرر له خطأه.
وقد تجعل المعصية صغيرة في عينه.
وقد تقنعه بأنه أفضل من غيره.
وقد تجعله يرى عيوب الناس بوضوح، ولا يرى عيوبه إلا بصعوبة.
ولهذا يحتاج الإنسان إلى لحظات يخلع فيها عن نفسه أعذارها، وينظر إليها بصدق.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
تأمل قوله:
﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
إنها دعوة إلى النظر والمراجعة.
ماذا قدمت ليوم لا ينفع فيه مال ولا جاه؟
محاسبة النفس ليست تشاؤمًا
بعض الناس يظن أن كثرة التفكير في التقصير تجعل الإنسان حزينًا.
والحقيقة أن المحاسبة الصحيحة تمنح القلب راحة.
لأن الإنسان عندما يعرف خطأه يستطيع إصلاحه.
أما المشكلة الحقيقية فهي أن يعيش الإنسان في خطأ لا يعترف به.
فمن عرف مرضه بحث عن دوائه.
ومن أنكر مرضه ترك نفسه حتى يشتد البلاء.
الفرق بين المحاسبة وجلد الذات
هناك فرق كبير.
المحاسبة تقول: أخطأت، فكيف أصلح؟
أما جلد الذات فيقول:
أخطأت، إذن أنا إنسان سيئ ولا فائدة مني.
المحاسبة تفتح باب التوبة.
أما جلد الذات فقد يغلقه.
المحاسبة تجعلك أقرب إلى الله.
أما اليأس من رحمته فيبعدك عنه.
ولهذا إذا اكتشفت في نفسك عيبًا فلا تجعل اكتشافه سببًا للانهيار، بل اجعله بداية للإصلاح.
حاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك
من أخطر أمراض النفس أن ينشغل الإنسان بإصلاح الآخرين وينسى نفسه.
يرى أخطاء الناس.
ويتحدث عن تقصيرهم.
وينتقد نياتهم.
ثم لا يسأل نفسه:
هل أنا مستقيم في خلواتي؟
هل صلاتي كما ينبغي؟
هل لساني محفوظ؟
هل أؤذي أحدًا؟
هل في قلبي كبر أو حسد؟
هل أطلب رضا الله أم رضا الناس؟
إن المؤمن يبدأ بنفسه.
فإذا أصلحها كان كلامه عن إصلاح الآخرين أصدق وأبعد عن التناقض.
حاسب نفسك على النية
ليست الأعمال كلها متساوية عند الله بمجرد صورتها.
فالنية لها شأن عظيم.
قد يفعل اثنان العمل نفسه، ويكون بينهما من الفرق ما بين السماء والأرض.
ولهذا ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه:
لماذا فعلت هذا؟
هل أردت وجه الله؟
أم أردت مدح الناس؟
هل أسعدني أن يرضى الله عن عملي؟
أم كان يهمني أن يراني الناس صالحًا؟
وهذه الأسئلة ليست لإفساد العمل بالوسوسة، وإنما لتربية القلب على الإخلاص.
حاسب نفسك على الفرائض
قبل أن تنشغل بالنوافل، انظر إلى الفرائض.
هل تحافظ على الصلاة؟
هل تؤدي حقوق الناس؟
هل تبر والديك؟
هل تحفظ الأمانة؟
هل تؤدي ما أوجب الله عليك؟
فالعبد لا ينبغي أن يكثر من الحديث عن المقامات العالية، بينما يضيع أساس الطريق.
حاسب نفسك على لسانك
كم من كلمة أفسدت علاقة.
وكم من كلمة جرحت قلبًا.
وكم من حديث نقل فتنة.
وكم من غيبة جعلت الإنسان يحمل وزرًا لم يكن مضطرًا إليه.
ولهذا من أجمل صور المحاسبة أن تسأل نفسك في نهاية اليوم:
ماذا قلت؟
من آذيت؟
من اغتبت؟
هل نقلت كلامًا لا ينبغي أن أنقله؟
هل تكلمت فيما لا يعنيني؟
وقد يكون الصمت في بعض المواطن عبادة أعظم من الكلام.
حاسب نفسك على قلبك
ليس المهم فقط ما تفعله الجوارح.
بل ما يسكن القلب.
هل في قلبك حسد؟
كبر؟
حقد؟
احتقار للناس؟
حب للظهور؟
تعلق مفرط بالدنيا؟
اعتراض على أقدار الله؟
هذه أمور تحتاج إلى علاج هادئ وصادق.
فالقلوب هي موضع نظر الله إلى العبد، وإصلاحها أصل إصلاح العمل.
حاسب نفسك على الوقت
الوقت رأس مال لا يعود.
والإنسان يستطيع أن يستعيد المال إذا فقده.
لكن الدقيقة التي مضت لا يمكن شراؤها.
ولهذا اسأل نفسك:
كم ساعة مرت اليوم بلا فائدة؟
كم وقتًا ذهب في الهاتف؟
كم وقتًا ذهب في متابعة ما لا ينفع؟
وكم وقتًا كان يمكن أن يكون قرآنًا أو ذكرًا أو علمًا أو عملًا صالحًا؟
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان في ضغط دائم، فالراحة المباحة نعمة.
لكن المطلوب ألا تتحول الراحة إلى غفلة تستنزف العمر.
حاسب نفسك بعد الطاعة
حتى الطاعة تحتاج إلى مراجعة.
ليس بمعنى الشك فيها، ولكن بمعنى النظر في القلب.
هل صليت وقلبك حاضر؟
هل قرأت القرآن بتدبر؟
هل تصدقت وأردت وجه الله؟
هل أحسنت ثم انتظرت من الناس الشكر؟
فالطاعة قد يدخلها العجب أو الرياء أو المن.
ولهذا يحتاج المؤمن بعد العمل إلى أن يحمد الله على التوفيق، لا أن يعجب بنفسه.
وحاسب نفسك بعد الذنب
إذا وقعت في الذنب فلا تهرب من الحقيقة.
اعترف لنفسك.
ثم استغفر.
ثم اسأل:
كيف وقع هذا الذنب؟
ما السبب؟
ما الباب الذي دخل منه؟
كيف أغلقه؟
فالتوبة ليست مجرد قول:
أستغفر الله.
ثم العودة إلى السبب نفسه.
بل التوبة الصادقة تصحبها رغبة في الإصلاح.
اجعل لك خلوة مع نفسك
ليس المقصود بالخلوة أن تنعزل عن الناس طويلًا.
بل أن تخصص وقتًا هادئًا تراجع فيه نفسك.
خمس أو عشر دقائق في نهاية اليوم قد تكون كافية.
اجلس بهدوء واسأل نفسك:
ماذا فعلت اليوم مما يرضي الله؟
وأين قصرت؟
ومن ظلمته؟
وماذا ينبغي أن أصلحه غدًا؟
ثم اختم بالاستغفار والدعاء.
ومع الأيام ستكتشف أن هذه الدقائق القليلة يمكن أن تغير علاقتك بنفسك وبربك.
لا تنتظر نهاية العام
بعض الناس لا يراجع نفسه إلا في رمضان، أو في بداية العام، أو بعد وقوع مصيبة.
لكن القلب يحتاج إلى مراجعة مستمرة.
فكما أن الإنسان ينظف بيته باستمرار، يحتاج قلبه إلى تنظيف متكرر.
وكما أن التاجر يراجع حساباته حتى يعرف ربحه وخسارته، ينبغي للمؤمن أن يراجع حساب قلبه وعمله.
أعظم ثمرة للمحاسبة
أن يصبح الإنسان أكثر صدقًا مع الله ومع نفسه.
لا يدعي الكمال.
ولا يغتر بالطاعة.
ولا يبرر المعصية.
ولا ينشغل بعيوب الآخرين عن عيوبه.
بل كلما رأى نقصًا أصلحه.
وكلما رأى خيرًا حمد الله.
وكلما أذنب تاب.
وكلما وفق لطاعة نسب الفضل إلى الله.
وهكذا تتحول المحاسبة من عبء على النفس إلى وسيلة لترقيتها.
خاتمة
يا ابن آدم، ستقف يومًا بين يدي الله.
وسيكون هناك حساب لا تستطيع أن تؤجله، ولا أن تطلب فيه فرصة أخرى.
فما أجمل أن تحاسب نفسك اليوم، قبل أن يأتي يوم الحساب.
راجع قلبك.
راجع صلاتك.
راجع لسانك.
راجع نياتك.
راجع علاقتك بالناس.
راجع وقتك.
ولا تجعل اكتشاف تقصيرك سببًا لليأس، بل اجعله سببًا للعودة.
فما دام باب التوبة مفتوحًا، فكل مراجعة صادقة يمكن أن تكون بداية جديدة.
🤲اللهم يا حسيب، يا رقيب، يا غفور، يا تواب، ارزقنا صدق محاسبة أنفسنا، وأرنا عيوبنا بلا قسوة، وألهمنا إصلاحها بلا يأس، واجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، واختم لنا بخير، واجعل حسابنا يوم نلقاك يسيرًا.♥️




امين يارب
اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت
اللهم احسن باطننا ونواينا كما احسنت خلقتنا وجملنا بحسن الخلق ياكريم