هل صفات الله هي عين ذاته أم غير ذاته؟

مسألة عقدية دقيقة… وكيف فهمها علماء الإسلام؟

كلما ازداد الإنسان معرفةً بالله سبحانه وتعالى، ازداد تعظيمًا له، وأدرك أن العقول مهما بلغت فلن تحيط بجلاله وكماله.

ولهذا كان علماء الإسلام يقررون أن أعظم ما يُتأدب به في باب العقيدة هو الوقوف عند حدود الوحي، وعدم الخوض فيما لا طائل تحته، مع احترام اجتهادات العلماء الذين بذلوا أعمارهم في خدمة الدين.

ومن المسائل التي دار حولها نقاش طويل بين علماء العقيدة مسألة اشتهرت بقولهم:

“هل صفات الله هي عين ذاته أم غير ذاته؟”

وقد تبدو هذه العبارة غريبة للقارئ، لكنها في حقيقتها محاولة للإجابة عن سؤال يتعلق بكيفية التعبير عن العلاقة بين ذات الله وصفاته، مع الإيمان الكامل بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء.

لماذا طُرحت هذه المسألة؟

عندما بدأ المسلمون يناقشون القضايا العقدية مع أصحاب الفلسفات المختلفة، ظهرت أسئلة لم تكن مطروحة في عصر الصحابة رضي الله عنهم بهذه الألفاظ.

وكان من تلك الأسئلة: إذا قلنا إن الله عليم، وقدير، وسميع، وبصير، فهل العلم والقدرة والسمع والبصر هي ذات الله نفسها؟ أم أنها شيء آخر؟

وكان المقصود من السؤال عند كثير ممن طرحوه هو حماية عقيدة التوحيد، ومنع أي تصور يوهم تعددًا في ذات الله سبحانه.

ما المقصود بالذات؟

يقصد العلماء بالذات الإلهية حقيقة الله سبحانه وتعالى، وهي حقيقة لا يعلم كيفيتها إلا هو.

فنحن نؤمن بوجود الله، ونؤمن بكماله، ونؤمن بأسمائه وصفاته، لكننا لا نحيط بحقيقة ذاته، لأن الله تعالى يقول:

﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.

ولهذا فإن الكلام في ذات الله يجب أن يبقى منضبطًا بما جاء في الوحي.

وما المقصود بالصفات؟

الصفات هي صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

فنثبت لله العلم، والقدرة، والحكمة، والرحمة، والسمع، والبصر، وسائر ما ثبت في الكتاب والسنة، على الوجه اللائق بجلاله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل أو تحريف.

لماذا اختلفت عبارات العلماء؟

اختلفت المدارس في طريقة التعبير عن هذه العلاقة.

فمن علماء الكلام من قال: إن صفات الله ليست منفصلة عن ذاته، وليست شيئًا قائمًا بذاته خارجًا عنه، لأن ذلك لا يليق بالله سبحانه.

ومنهم من استعمل عبارة: “ليست عين الذات ولا غير الذات”، يقصد أن الألفاظ البشرية المعتادة لا تستطيع أن تعبر عن حقيقة العلاقة بين الذات والصفات، وأن استعمال لفظ “غير” قد يوهم الانفصال، واستعمال لفظ “عين” قد لا يؤدي المعنى المقصود عندهم.

وفي المقابل، كان كثير من علماء أهل الحديث يتحفظون على هذه العبارات أصلًا، ويرون أن الأولى هو الاقتصار على ما جاء في الكتاب والسنة، وإثبات الصفات كما جاءت، دون إدخال ألفاظ فلسفية لم ترد في النصوص.

ولهذا فإن الخلاف هنا كان في جانب كبير منه متعلقًا بطريقة التعبير، إضافة إلى وجود فروق في بعض التصورات عند المدارس المختلفة.

ماذا نتعلم من هذا؟

أول ما نتعلمه أن معرفة الله لا تبنى على المصطلحات المجردة، وإنما على الوحي.

وثانيًا، أن المسلم ليس مطالبًا بأن يخوض في كل مسألة دقيقة حتى يكون إيمانه صحيحًا.

بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعظم الناس إيمانًا بالله، ولم يشغلوا أنفسهم بمثل هذه الألفاظ، وإنما عرفوا ربهم من خلال القرآن، وأحبوه، وخافوه، ورجوه، وعبدوه حق العبادة.

هل يؤثر هذا الخلاف في عبادة المسلم؟

بالنسبة لعامة المسلمين، لا.

فالواجب على المسلم أن يؤمن بما جاء في القرآن والسنة، وأن يدعو الله بأسمائه الحسنى، ويعظمه، ويعبده على بصيرة.

أما هذه المسائل الدقيقة فهي من مباحث أهل الاختصاص، ويُرجع فيها إلى العلماء، مع حفظ الأدب، واجتناب التعصب، وعدم جعلها سببًا للنزاع والفرقة.

الثمرة الحقيقية لمعرفة صفات الله

إذا علمت أن الله هو العليم، راقبت أعمالك.

وإذا علمت أنه الرحيم، لم تيأس من رحمته.

وإذا علمت أنه الحكيم، رضيت بقضائه.

وإذا علمت أنه السميع، أحسنت دعاءه.

فهذه هي الثمرة التي أرادها القرآن الكريم: أن تتحول معرفة الله إلى إيمان، والإيمان إلى عبادة، والعبادة إلى سلوك.

خاتمة

لقد اجتهد علماء الإسلام في بيان مسائل العقيدة والدفاع عنها، واختلفت مناهجهم في بعض القضايا الدقيقة، لكن بقي الأصل الذي يجمعهم هو تعظيم الله سبحانه، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتنزيهه عن كل نقص.

فخير ما يشتغل به المؤمن أن يكثر من تدبر القرآن، وأن يتعلم ما يقربه من ربه، وأن يجعل غاية العلم زيادة الخشية والمحبة واليقين، فإن من عرف الله حق المعرفة، هان عليه كل شيء دونه.

🤲نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والقلب الخاشع، وأن يملأ قلوبنا بتعظيمه ومحبته، وأن يجعلنا من عباده الذين يعرفونه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فيعبدونه على بصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.🤲

5 أفكار عن “هل صفات الله هي عين ذاته أم غير ذاته؟”

اترك تعليقاً