هل القرآن مخلوق؟

تحرير محل النزاع بين علماء أهل السنة وبيان حقيقة الأقوال

من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن أنزل عليها كتابًا جعله هدايةً ورحمةً ونورًا، فقال سبحانه:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

فالقرآن هو كلام الله الذي تتلوه الألسنة، وتخشع له القلوب، وتهتدي به العقول، وتستقيم به الحياة.

ومع وضوح هذه الحقيقة، ظهرت في القرون الأولى للإسلام مناقشات علمية حول كيفية فهم صفة الكلام الإلهي، وكان من أشهرها السؤال: هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟

وقد اشتهرت هذه القضية في التاريخ الإسلامي، حتى صارت عنوانًا لمرحلة كاملة عُرفت بـ المحنة.

لكن كثيرًا من الناس يظنون أن الخلاف كان حول أصل القرآن أو قدسيته، وهذا غير صحيح.

أولًا: ما الذي اتفق عليه الجميع؟

قبل الحديث عن الخلاف، لا بد من بيان ما أجمع عليه علماء أهل السنة.

فقد اتفقوا على أن:

  • القرآن وحيٌ منزل من الله.
  • وأنه هداية ورحمة ونور.
  • وأنه يجب تعظيمه والعمل به.
  • وأن الله تعالى متصف بالكلام.
  • وأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يشبه كلامه كلام المخلوقين.

فهذه الأصول لم تكن محل نزاع بين مدارس أهل السنة.

أين وقع الخلاف إذن؟

وقع الخلاف في كيفية التعبير عن صفة الكلام، وعلاقة القرآن بهذه الصفة.

ولم يكن الخلاف في أصل تعظيم القرآن، ولا في الإيمان بأنه وحي الله.

ولهذا فإن من يقرأ كتب العلماء يجد أن الجميع ينطلق من تعظيم كلام الله، وإن اختلفت طرائقهم في تفسير بعض المسائل الدقيقة.

مذهب أهل الحديث

يرى جمهور أهل الحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

ويثبتون أن الله متكلم حقيقة كما يليق بجلاله، وأن القرآن الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم هو كلامه، وليس مخلوقًا.

ويرون أن القول بخلق القرآن مخالف لما دلت عليه النصوص، ولذلك اشتد إنكارهم لهذا القول.

وقد اشتهر في الدفاع عن هذا المذهب عدد من الأئمة، وكان من أبرزهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، الذي ثبت في زمن المحنة، وصبر على الأذى.

مذهب الأشاعرة

يقرر الأشاعرة أيضًا أن الله متصف بالكلام، وأن صفة الكلام ليست مخلوقة.

لكنهم يفرقون بين الكلام النفسي، وهو الصفة القائمة بذات الله تعالى، وبين الألفاظ والأصوات العربية التي نقرؤها ونكتبها ونسمعها، وهي عندهم مخلوقة من جهة كونها أصواتًا وحروفًا حادثة، أما ما تدل عليه من كلام الله القائم بذاته فليس مخلوقًا.

ولذلك فإن نسبة القول إلى الأشاعرة بأنهم يقولون: “القرآن مخلوق” بإطلاق ليست دقيقة، لأنهم يصرحون بأن كلام الله الأزلي ليس مخلوقًا، وإنما يقع الخلاف في تفسير العلاقة بين الكلام الأزلي والقرآن المقروء والمتلو.

مذهب الماتريدية

الماتريدية قريبون من الأشاعرة في هذا الباب.

فهم يثبتون لله صفة الكلام، ويقررون أنها صفة أزلية قائمة بذاته سبحانه، مع وجود بعض الفروق في بعض التفاصيل والعبارات بين المدرستين.

من أين جاء القول بخلق القرآن؟

القول الصريح بأن القرآن مخلوق اشتهر عند المعتزلة.

وقد بنوا هذا القول على أصولهم في باب الصفات، ورأوا أن إثبات كلام غير مخلوق يؤدي – في نظرهم – إلى إثبات قدم غير الله.

وخالفهم جمهور علماء أهل السنة، ورأوا أن هذا الاستدلال غير لازم، وأن إثبات صفات الله لا يقتضي تعدد الآلهة، لأن الصفات ليست آلهة مستقلة، بل هي صفات لله الواحد الأحد.

لماذا اشتدت المحنة؟

لم يكن سبب شهرة القضية مجرد الخلاف العلمي، وإنما لأن الدولة في فترة من الفترات تبنت رأيًا معينًا، وألزمت به العلماء، والرعية ، من قال غيره عاقبته .

وهنا تحولت المسألة من نقاش علمي إلى امتحان وابتلاء، فثبت عدد من العلماء على ما اعتقدوه، وكان أشهرهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

ولهذا بقيت المحنة صفحة مؤثرة في تاريخ الأمة.

ماذا ينبغي أن يتعلم المسلم من هذه القضية؟

يتعلم أن العقيدة لا تؤخذ من المقاطع المختصرة، ولا من العبارات المجتزأة.

ويتعلم كذلك أن العلماء قد يستعملون مصطلحات مختلفة، فلا يجوز الحكم عليهم قبل فهم مرادهم.

كما يتعلم أن الإنصاف من أعظم أخلاق طالب العلم، وأن احترام العلماء لا يمنع من مناقشة أقوالهم بالدليل والبرهان.

الثمرة الإيمانية

إذا أيقنت أن القرآن كلام الله، فسيصبح أعظم ما تسمعه أذنك، وأغلى ما تحفظه ذاكرتك، وأحب ما يحييه قلبك.

لن تقرأه لمجرد تحصيل الثواب، بل لتسمع خطاب ربك إليك، فتستجيب لأمره، وتجتنب نهيه، وتعيش في أنواره.

فكلما ازداد العبد تعلقًا بالقرآن، ازداد قربًا من الله، لأن القرآن هو أعظم أسباب الهداية، وأصدق دليل إلى رضوان الله.

خاتمة

لقد كانت قضية خلق القرآن من أشهر القضايا في تاريخ علم العقيدة، والواجب على المسلم أن يعظم القرآن، وأن يؤمن بأنه وحي الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يوقن بأن الله متصف بالكلام على الوجه اللائق بجلاله.

وأما دقائق المسائل التي اجتهد فيها العلماء، فتُدرس بعلم وعدل، مع حفظ مكانة الأئمة، والبعد عن التبديع والتعصب، فإن المقصود الأعظم من العلم هو معرفة الله، وتعظيم وحيه، والعمل بكتابه.

🤲 نسأل الله تعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يرزقنا تلاوته حق التلاوة، وتدبره، والعمل به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

6 أفكار عن “هل القرآن مخلوق؟”

  1. الحمدلله رغم اختلاف المذاهب حول وصف القرآن بـ مخلوق أو غير مخلوق إلا أن الجميع يتفقون يقيناً على أنه كلام الله المنزل وله القدسية المطلقة ويجب العمل بأحكامه.

    نسأل الله الثبات على الحق وبما يرضى الله تعالى ويبعد عنا ما يفرق الامه الاسلاميه

  2. اللهم اجعلنا دائما علي نور البصيرة فعلا القران غير مخلوق وانما كلام الله سبحانه وتعالي للعباد عن طريق الوحي الذي انزل علي نبينا محمد عليه افضل الصلاة والسلام ورغم اختلاف العلماء فلابد من التفكير والاخذ بالبرهان والدليل لان العقيدة تقوم علي البرهان والحجة فدينا دين دليل للفهم بان الله بيده كل شي وهو الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يقل له كفوا احد
    سبحانه وتعالي. جل جلاله
    اللهم ثبتنا علي رضي الرحمن وقونا في العمل بالقران وينور بصيرتنا لما يحبه ويرضاه
    وصلي الله علي نبينا محمد افضل الخلق وعليه الصلاة والسلام

اترك تعليقاً