صفة الاستواء على العرش
كيف فهم علماء أهل السنة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟
من أعظم أبواب المعرفة بالله تعالى تدبر الآيات التي يصف الله فيها نفسه، فإنها تزيد الإيمان، وتملأ القلب تعظيمًا للخالق سبحانه.
ومن أكثر الآيات التي دار حولها البحث بين علماء العقيدة قول الله تعالى:
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
وقد تكرر ذكر الاستواء على العرش في القرآن الكريم في مواضع متعددة، مما يدل على أهمية هذه الصفة، ويبين أنها من النصوص التي ينبغي للمؤمن أن يتلقاها بالإيمان والتعظيم.
غير أن هذه الآية كانت أيضًا من أكثر النصوص التي اختلفت مناهج العلماء في كيفية فهمها، مع اتفاقهم على أصلين عظيمين: الإيمان بالآية، وتنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين.
ما معنى الاستواء في لغة العرب؟
الاستواء في اللغة العربية لفظ واسع، ويأتي لمعانٍ متعددة بحسب السياق، منها: العلو، والاستقرار، والاعتدال، والتمام، والقصد.
ولهذا كان علماء التفسير يقررون أن تحديد المعنى المراد في كل موضع لا يكون بمجرد اللغة، بل بالنظر إلى السياق، وإلى النصوص الشرعية.
ما الذي اتفق عليه أهل السنة؟
اتفقت مدارس أهل السنة على أمور عظيمة، منها:
- أن الله تعالى ذكر الاستواء على العرش في كتابه.
- وأن الواجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه.
- وأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
- وأنه لا يجوز تشبيه الله بخلقه، ولا وصفه بما لا يليق بجلاله.
فهذه الأصول هي أساس التعامل مع جميع نصوص الصفات.
كيف فهم أهل الحديث هذه الآية؟
يرى جمهور أهل الحديث إثبات صفة الاستواء كما جاءت في القرآن، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
ويستشهدون بما روي عن الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء، فقال:
الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
والمقصود عندهم أن معنى الاستواء من حيث اللغة معلوم، أما كيفية اتصاف الله به فلا يعلمها إلا الله.
كيف فهمها الأشاعرة والماتريدية؟
يرى كثير من علماء الأشاعرة والماتريدية أن هذه الآية من النصوص التي يجب تنزيه الله فيها عن كل ما يوهم صفات الأجسام.
ولذلك سلك علماؤهم أحد منهجين مشهورين:
الأول: التفويض، وهو الإيمان بالنص مع تفويض الكيفية، وعند كثير منهم مع تفويض المراد التفصيلي إلى الله، مع اعتقاد التنزيه.
الثاني: التأويل عند الحاجة، فيفسر بعضهم الاستواء بمعنى يليق بالله تعالى، كإظهار الملك أو القهر أو التدبير، إذا رأوا أن ظاهر اللفظ قد يوهم التشبيه عند بعض الناس.
وقد اختلف علماء الأشاعرة أنفسهم في المواضع التي يُلجأ فيها إلى التأويل، ولم يجعلوه منهجًا واحدًا في جميع النصوص.
هل الخلاف في أصل الإيمان بالآية؟
لا.
فالجميع يؤمن بأن هذه الآية حق، وأنها من كلام الله.
وإنما وقع الخلاف في كيفية فهمها، وفي الطريقة التي يُعبر بها عن معناها مع المحافظة على تنزيه الله سبحانه.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين الإيمان بالنص، وهو محل اتفاق، وبين مناهج تفسير النص، وهي محل اجتهاد بين العلماء.
كيف نتعامل مع هذه المسألة؟
أول ما يجب على المسلم أن يستحضر قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فهذه الآية تجمع بين إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين.
ثم يتلقى نصوص الصفات بالتعظيم، ويحسن الظن بعلماء الأمة، ويبتعد عن التعصب، ولا يجعل المسائل الدقيقة سببًا للنزاع والفرقة.
الثمرة الإيمانية
إن الغاية من دراسة صفات الله ليست كثرة الجدل، وإنما زيادة المعرفة بالله.
فكلما ازداد القلب معرفةً بربه، ازداد خضوعًا له، وثقةً بوعده، ورضًا بقضائه، وخشيةً من مقامه.
فإذا قرأت قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
فاقرأها بقلب مؤمن، معظمٍ لله، منزهٍ له عن كل نقص، مستسلمٍ لما جاء به الوحي، فإن هذا هو طريق أهل الإيمان.
خاتمة
لقد اجتهد علماء الإسلام في فهم نصوص الصفات، واختلفت مناهجهم في بعض المسائل، لكنهم اجتمعوا على تعظيم الله، والإيمان بكتابه، وتنزيهه عن مشابهة خلقه.
ومن رزقه الله حسن الأدب مع القرآن، والإنصاف مع العلماء، والإخلاص في طلب الحق، رزقه الله نورًا في القلب، وبصيرةً في الدين.
🤲نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والإيمان الصادق، وحسن الأدب مع كتابه، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




تبارك الله نور السماوات والارض
تم
رغم تنوع مناهج علماء الإسلام في فهم نصوص الصفات إلا أنهم اجتمعوا على تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه والإنصاف مع العلماء والأدب مع القرآن يورثان نور القلب وبصيرة الدين