حين يستقيم خوف القلب… يستقيم طريق العبد
قال سري بن المغلس السقطي رحمه الله:
«سمعتُ الفضيل بن عياض يقول: من خاف الله لم يضرّه أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.»
وهذه الكلمة من كلمات أهل البصيرة التي تبدو قصيرة في ألفاظها، لكنها تفتح بابًا عظيمًا من أبواب معرفة الله والتوكل عليه وتحرير القلب من الخوف من الخلق.
وقد وردت هذه الكلمة عن الفضيل بن عياض في شعب الإيمان للبيهقي، كما ورد عنه بمعنى قريب: «إن خفتَ الله لم يضرّك أحد، وإن خفتَ غير الله لم ينفعك أحد»، وروي عنه أيضًا: «من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء».
لكن ينبغي أن نفهم هذه الكلمة بفهم الوحي، لا بمجرد ظاهر العبارة؛ لأن الإسلام لا ينكر الأسباب، ولا ينكر الخوف الطبيعي، وإنما يعلّم القلب أن يعرف من بيده الأمر كله.
أولًا: ما معنى أن تخاف الله؟
الخوف من الله ليس مجرد رعب يسكن القلب، وليس حالة من اليأس والقنوط.
إنما هو خوف يحمل العبد على الطاعة، ويمنعه من المعصية، ويوقظ فيه مراقبة الله، ويجعله يقدم رضاه على رضا الخلق.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾
[المائدة: 44]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 175].
فالآية تكشف جانبًا دقيقًا من عمل الشيطان:
التخويف.
فالشيطان قد لا يبدأ مع الإنسان بدعوته إلى المعصية مباشرة، وإنما يبدأ أحيانًا بزرع الخوف:
ماذا سيقول الناس؟
ماذا لو خسرْت؟
ماذا لو رفضوك؟
ماذا لو آذاك فلان؟
ماذا لو منعك فلان؟
ماذا لو تغيرت الظروف؟
ماذا لو وقع ما تخشاه؟
ثم يكبر الخوف في القلب حتى يصبح الإنسان أسيرًا لما يخافه.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾
فالمؤمن لا يكون قلبه خاليًا من الخوف، وإنما يتعلم أين يضع خوفه.
ثانيًا: من خاف الله لم يضرّه أحد
هذه العبارة لا تعني أن من خاف الله لن يُبتلى أو لن يؤذيه أحد.
فالأنبياء أوذوا، والصحابة رضي الله عنهم أوذوا، وأهل الصلاح تعرضوا للظلم والمرض والفقر والابتلاء.
لكن الفرق العظيم هو أن المؤمن يعرف أن المخلوق سبب، وليس ربًّا متصرفًا من دون الله.
قد يستطيع إنسان أن يؤذيك بيده، أو بلسانه، أو بماله، أو بمنصبه، أو بسلطانه، لكن لا يستطيع أن يتجاوز قدر الله.
وقد يمنعك إنسان من أمر قد تراه خيرا لك، ثم يأتيك الخير من باب لم يخطر لك على بال.
وقد يجتمع عليك الناس، ولكن لا يستطيعون أن يفعلوا بك إلا ما أذن الله بوقوعه في قدره.
قال تعالى:
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾
[يونس: 107].
هذه الآية وحدها كافية لتعيد ترتيب الخريطة داخل القلب.
فالذي يملك كشف الضر هو الله.
والذي يملك منع الضر هو الله.
والذي يملك إيصال الخير هو الله.
والذي يستطيع أن يمنع فضل الله عن عبده إذا أراده له؟ لا أحد.
قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾
[فاطر: 2].
وهنا يظهر معنى كلمة الفضيل رحمه الله:
من خاف الله لم يضرّه أحد.
أي أن قلبه لا يجعل للمخلوق سلطانًا مستقلًا على مصيره، ولا يعتقد أن أحدًا يستطيع أن يقطع عنه ما كتبه الله له أو يجلب له ما لم يقدره الله.
ثالثًا: درس النبي ﷺ لابن عباس
من أعظم النصوص التي تشرح هذه الكلمة حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
قال رسول الله ﷺ:
«يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».
رواه الترمذي رقم 2516، وحكم عليه الترمذي بالحسن الصحيح، وصححه عدد من أهل الحديث.
تأمل ترتيب النبي ﷺ:
إذا سألت فاسأل الله.
وإذا استعنت فاستعن بالله.
ثم علّمه حقيقة النفع والضر:
لو اجتمع الناس جميعًا على أن ينفعوك، فلن يستطيعوا إلا بما كتبه الله لك.
ولو اجتمعوا جميعًا على أن يضروك، فلن يستطيعوا إلا بما كتبه الله عليك.
وهذا ليس دعوة إلى ترك الأسباب.
بل هو دعوة إلى ألا تتحول الأسباب في قلبك إلى آلهة صغيرة تتعلق بها النفس من حيث لا تشعر.
رابعًا: الفرق بين الخوف الطبيعي والخوف الذي يفسد القلب
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم جدًا.
الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يلغي الخوف الطبيعي.
فالإنسان يخاف من النار، ويخاف من السلاح، ويخاف من الظلم، ويتخذ الاحتياطات لحماية نفسه وأهله وماله.
وقد قال الله تعالى عن موسى عليه السلام:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾
[القصص: 21].
فهذا خوف طبيعي لا ينافي التوكل.
وكذلك أمرنا الشرع بالأخذ بالأسباب، والحذر من الأخطار، وحفظ النفس، والاستعانة بالناس فيما يقدرون عليه.
المشكلة ليست في أن تخاف من سبب.
المشكلة أن يسكن السبب في قلبك مكان المسبِّب.
أن ترى الإنسان هو الذي يملك مصيرك استقلالًا.
أن ترى الرزق بيد فلان.
والنجاة بيد فلان.
والشفاء بيد فلان.
والحماية بيد فلان.
والقبول بيد فلان.
والنفع والضر بيد فلان.
هنا يبدأ الخلل.
أما المؤمن فيعرف أن الناس أسباب، وأن الله هو رب الأسباب ومقدّرها.
خامسًا: لماذا قال الفضيل: «ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد»؟
لأن القلب إذا امتلأ بالخوف من الخلق، أصبح أسيرًا لهم.
والإنسان قد يخاف شخصًا فيترك الحق لأجله.
وقد يخاف فقدان المال فيرتكب الحرام.
وقد يخاف كلام الناس فيترك الطاعة.
وقد يخاف صاحب سلطة فيسكت عن الحق.
وقد يخاف الفشل فيترك الخير قبل أن يبدأ.
وقد يخاف المستقبل حتى يعيش اليوم في عذاب لم يقع بعد.
وهكذا يصبح الإنسان محكومًا بأشياء كثيرة.
أما إذا استقر في قلبه أن الله هو المالك والمدبر، تحرر من هذا الاستعباد.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
[آل عمران: 173].
قال لهم الناس:
اخشوهم.
لكن أهل الإيمان لم يكن جوابهم:
نحن أقوى منهم.
بل قالوا:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
أي: الله كافينا، وإليه نفوض أمرنا.
فكانت النتيجة:
﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾
وهكذا يتحول الخوف حين يُردّ إلى الله إلى يقين.
سادسًا: الخوف من الناس قد يجعل الإنسان يخسر رضا الله
من أخطر صور الخوف من الخلق أن يجعل الإنسان رضا الناس مقدمًا على رضا الله.
ولهذا جاء الحديث العظيم عن عائشة رضي الله عنها:
«من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس».
رواه الترمذي، ورواه ابن حبان بألفاظ متقاربة، وصححه عدد من أهل الحديث.
تأمل:
من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس.
ليس معنى ذلك أن الناس لن يكرهوا الإنسان أو لن يعترضوا عليه.
وإنما المعنى أن من جعل غايته رضا الله، لم يجعل رضا الناس هو المعبود الذي يحدد له طريقه.
أما من جعل همه إرضاء الناس ولو بسخط الله، فإنه يفقد الحماية الحقيقية، لأنه اختار أن يجعل قلبه متعلقًا بالخلق.
ولهذا كان من أعظم أبواب القوة:
أن تعرف متى تقول: لا، لأن الله لا يرضى.
وأن تعرف متى تمضي في الحق ولو لم يصفق لك أحد.
وأن تعرف متى تسكت عن كلام الناس لأنك تعلم أن الله أعلم بك منهم.
سابعًا: التوكل ليس ترك الأسباب
قد يظن بعض الناس أن التوكل يعني أن يترك الإنسان العمل، والاحتياط، والعلاج، والاستشارة، والدفاع عن النفس.
وهذا ليس هو التوكل.
التوكل الحقيقي هو:
أن تأخذ بالأسباب بجوارحك، ولا تتعلق بها بقلبك.
تعمل، لكن لا تعبد العمل.
تطلب من الطبيب العلاج، لكن قلبك يعلم أن الشفاء من الله.
تستعين بصديق، لكن قلبك يعلم أن القدرة لله.
تذهب إلى العمل، لكن رزقك لا تعتقد أن المدير يملكه استقلالًا.
تحفظ مالك، لكنك تعلم أن الحفظ الحقيقي بيد الله.
تدافع عن نفسك، لكنك لا تعتقد أن قوتك مستقلة عن قدرة الله.
ولهذا جمع الإسلام بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: 3].
أي أن من اعتمد على الله وثق به وفوض أمره إليه، فالله كافيه.
وقال الطبري في تفسير الآية، ناقلًا عن مسروق في معنى المخرج: أن يعلم العبد أن الأمر من عند الله، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع.
وهذه هي القضية كلها:
من يعطي؟
الله.
من يمنع؟
الله.
من يكشف الضر؟
الله.
من يفتح أبواب الرحمة؟
الله.
أما الخلق فهم أسباب يجري الله الأمور على أيديهم متى شاء.
ثامنًا: كلام أهل المعرفة في حقيقة الخوف
لم تكن هذه المعاني عند أهل السلوك والمعرفة مجرد كلمات تقال، بل كانوا يرون الخوف من الله قوةً تحرر القلب من كل خوف آخر.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله:
«أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى.»
وقد ورد هذا عنه في حلية الأولياء.
وهذه كلمة عميقة جدًا.
لأن الخوف من الله إذا استقر في القلب، جعله يخاف أن يعصي الله أكثر مما يخاف أن يفوته شيء من الدنيا.
ويخاف أن يظلم أكثر مما يخاف أن يُظلم.
ويخاف أن يخسر آخرته أكثر مما يخاف أن يخسر شيئًا من متاع الدنيا.
ويخاف أن يكون الله ساخطًا عليه أكثر مما يخاف سخط الناس.
وهنا يتغير ميزان الحياة كله.
وقال أبو سليمان الداراني أيضًا:
«إذا سكن الخوف القلب أحرق الشهوات وطرد الغفلة من القلب.»
والمعنى واضح:
القلب الغافل يعيش وراء شهوته.
أما القلب الذي استيقظ فيه تعظيم الله، فإنه لا ينقاد لكل ما تشتهيه النفس.
ولهذا كان الخوف عند العارفين ليس مجرد انفعال نفسي، وإنما طاقة على الاستقامة.
فالخائف حقًا ليس من يبكي فقط.
بل من يمنعه خوفه من الله عن الطريق الذي لا يرضيه.
وقد نقل عن أبي سليمان أيضًا:
«من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.»
وهذا قريب من معنى التواضع والانكسار لله؛ فكلما عظم الله في القلب، صغر ما سواه.
تاسعًا: من خوف الخلق إلى هيبة الحق
هناك إنسان يخاف الناس لأنه يراهم كبارًا.
وهناك عبد يخاف الله لأنه يعرف عظمة الله.
والفرق بين الاثنين عظيم.
الأول يرى الخلق فوق قدرهم.
والثاني يرى الخلق في مقامهم الصحيح.
الناس عباد.
والله رب العباد.
الناس فقراء.
والله الغني.
الناس عاجزون.
والله القادر.
الناس يتغيرون.
والله سبحانه لا يتغير.
الناس لا يعلمون الغيب.
والله يعلم السر وأخفى.
الناس لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا بما شاء الله.
ولهذا قال تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾
[الجن: 21].
فإذا استقر هذا المعنى في القلب، لم يعد الإنسان ينحني نفسيًا لكل مخلوق.
يحترم الناس، لكنه لا يعبد رضاهم.
يحب الناس، لكنه لا يجعلهم أربابًا على قلبه.
يأخذ بالأسباب، لكنه لا ينسى رب الأسباب.
عاشرًا: «حسبنا الله» ليست كلمة تقال عند الخوف فقط
كثيرون يقولون:
حسبنا الله ونعم الوكيل
عندما يشتد عليهم البلاء.
لكن حقيقة هذه الكلمة أعمق.
إنها إعلان داخلي:
الله يكفيني.
لا بمعنى أنني أترك العمل.
ولا بمعنى أنني لا أطلب المساعدة من أحد.
ولا بمعنى أنني أنكر الأسباب.
بل بمعنى:
لن أجعل قلبي أسيرًا لسبب.
فإن فتح الله الباب، حمدته.
وإن أغلقه، وثقت بحكمته.
إن جاءني الخير، علمت أنه من فضله.
وإن نزل بي البلاء، علمت أنه بعلمه وقدره.
إن نصرني مخلوق، شكرت الله الذي أجرى النصر على يده.
وإن خذلني الناس، لم أظن أن أبواب الله قد أغلقت.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
الحادي عشر: ماذا يحدث للقلب عندما يخاف الله وحده؟
يبدأ الإنسان في التحرر من أشياء كثيرة:
من الخوف المفرط من المستقبل.
ومن مراقبة الناس في كل خطوة.
ومن الحزن على رضا لم يحصل عليه.
ومن الذعر من كلام الناس.
ومن التعلق المفرط بالأسباب.
ومن اليأس عند إغلاق الأبواب.
ومن الانهيار عندما يخذله أحد.
لأنه بدأ يرى وراء الأسباب مسبب الأسباب.
وهذه هي البصيرة التي يحتاجها القلب.
فليس المطلوب أن تقول:
«لن يؤذيني أحد.»
بل أن تقول:
«لو أوذيت، فلن يخرج الأمر عن قدر الله.»
وليس المطلوب أن تقول:
«كل الناس سينفعونني.»
بل أن تقول:
«إن نفعني أحد، فالله هو الذي ساق النفع على يديه.»
وليس المطلوب أن تقول:
«لن أخسر شيئًا.»
بل:
«ما كتبه الله لي فلن يفوتني، وما لم يكتبه لي فلن أبلغه بحولي وحدي.»
الثاني عشر: الخوف من غير الله قد يكون بابًا من أبواب الشيطان
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾.
والشيطان يعرف أن الإنسان إذا خاف، أصبح مستعدًا للتنازل.
قد يجعلك تخاف حتى تترك الحق.
وقد يخوفك من الفقر حتى تدخل الحرام.
وقد يخوفك من الوحدة حتى تصاحب من يفسد عليك دينك.
وقد يخوفك من كلام الناس حتى تفعل ما لا يرضي الله.
وقد يخوفك من المستقبل حتى تعيش في المستقبل بدل أن تعيش يومك.
وقد يخوفك من أشياء لم تقع أصلًا.
ولهذا كان من أعظم أبواب النجاة:
أن تسأل نفسك: من الذي أخاف منه؟ ولماذا؟
ثم تسأل سؤالًا أعمق:
هل خوفي هذا يقودني إلى الله أم يبعدني عنه؟
فإن كان الخوف يدفعك إلى الحذر المشروع والطاعة، فهو نافع.
وإن كان يدفعك إلى المعصية واليأس والذل للخلق وترك الحق، فهنا يحتاج القلب إلى مراجعة نفسه.
الثالث عشر: ميزان القلب الصحيح
يمكن أن نختصر الطريق كله في ثلاثة أمور:
1. خف الله
أي خف أن تعصيه.
وخف مقامه وعظمته.
وخف سوء العاقبة.
وخف أن يحجبك الذنب عن القرب منه.
2. ارجُ الله
فالخوف وحده ليس الطريق الكامل.
قال تعالى:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾
[الأنبياء: 90].
فالمؤمن يخاف، ويرجو.
ينكسر، لكنه لا ييأس.
يخاف ذنبه، لكنه يرجو رحمة ربه.
3. توكل على الله
خذ بالأسباب، ثم سلّم الأمر لله.
فالتوكل ليس أن تقول:
«لا أحتاج أحدًا.»
بل أن تقول:
«أحتاج إلى الله، وقد يجعل حاجتي تمر عبر بعض عباده.»
وهذا فرق عظيم.
الرابع عشر: كيف نُحوّل هذه الكلمة إلى حياة؟
إذا أردت أن تجعل قول الفضيل بن عياض منهجًا عمليًا، فجرّب أن تقف مع نفسك عند كل خوف:
أخاف من ماذا؟
ثم:
هل هذا الخوف طبيعي أم تجاوز إلى التعلق؟
ثم:
ما الذي أستطيع فعله من الأسباب؟
ثم:
ما الذي لا أستطيع فعله إلا بالله؟
ثم:
هل سأعصي الله بسبب هذا الخوف؟
فإن وجدت نفسك على وشك ترك حق خوفًا من الناس، فتذكر:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾
وإن خفت على رزقك، فتذكر:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
وإن خفت من ضر لا تستطيع دفعه، فتذكر:
﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾
وإن خفت أن يفوتك خير كتبه الله لك، فتذكر أن فضل الله لا يستطيع أحد أن يرده.
وإن اجتمع عليك الناس، فتذكر:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
الخلاصة: حرية القلب تبدأ من هنا
قال الفضيل بن عياض رحمه الله:
«من خاف الله لم يضرّه أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.»
وهذه ليست دعوة إلى ترك الحذر، ولا إلى إنكار الأسباب، ولا إلى انتظار الخوارق.
إنها دعوة إلى شيء أعمق:
أن يعود القلب إلى مقامه الصحيح.
فلا يخاف المخلوق خوف عبادة.
ولا يرجو المخلوق رجاء عبادة.
ولا يعتمد على المخلوق اعتمادًا ينسى معه رب المخلوق.
بل يأخذ بالأسباب، ويحترم الناس، ويستعين بمن يستطيع، ويحذر من الضرر، ثم يبقى قلبه معلقًا بالله.
فإذا أعطى أحدٌ، علم أن المعطي الحقيقي هو الله.
وإذا منع أحدٌ، علم أن ما عند الله لا يمنعه أحد.
وإذا آذى أحدٌ، علم أن الضر لا يقع إلا بإذن الله.
وإذا نفع أحدٌ، علم أن النفع من فضل الله.
وإذا أُغلقت الأبواب، لم يظن أن باب الله قد أُغلق.
وإذا خذله الناس، لم ييأس.
وإذا خاف، عاد إلى ربه.
وهنا يتحول الخوف من قيدٍ يكسر القلب إلى بصيرة تحرره.
فالعبد الذي يخاف الله حقًا لا يصبح بلا خوف، وإنما يصبح صاحب خوف واحد أعظم من كل خوف؛ خوفٌ يضع كل شيء في موضعه، ويعيد للقلب توحيده، وللنفس سكينتها، وللروح طريقها.
ولذلك كان أهل المعرفة يقولون إن الخوف من الله من أعظم أسباب صلاح القلب؛ فقد نقل عن أبي سليمان الداراني أن «أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى».
فإذا امتلأ القلب بتعظيم الله، صغر في عينه ما سواه.
وإذا عرف العبد أن الأمر كله لله، لم يعد يعيش عبدًا لخوف الناس.
وإذا صدق في توكله، عرف معنى قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
فيا من أتعبك الخوف…
لا تسأل فقط:
مِمَّ أخاف؟
بل اسأل:
أين قلبي حين أخاف؟
فإن كان قلبك مع الله، فاثبت.
وإن وجدته متعلقًا بالخلق، فردّه إلى الله.
فهناك يبدأ الطريق…
وهناك تهدأ النفس…
وهناك يتعلم القلب أن يقول بصدق:
حَسْبِيَ اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلن، واملأ قلوبنا يقينًا بك، وتوكلًا عليك، ومحبةً لك، ورجاءً في رحمتك، ولا تجعل خوفنا إلا منك، ولا رجاءنا إلا في فضلك، ولا تعلق قلوبنا إلا بك، واحفظنا من ضعف اليقين، ومن التعلق بالخلق، ومن الخوف الذي يصدنا عن الحق، واجعلنا ممن إذا خافوا رجعوا إليك، وإذا ضاقت بهم السبل وثقوا بك، وإذا أُغلقت الأبواب علموا أن باب رحمتك لا يُغلق.
اللهم اجعلنا لك كما تحب، ولا تجعل في قلوبنا شيئًا أعظم منك.
آمين يا رب العالمين.



